والثّاني : رأيت لكلّ إنسان صديقا يفشي إليه سرّه ، ويشكو إليه أمره ، فاتّخذت لي صديقا يكون لي بعد الموت ، وهو فعل الخير ، فصادقته ليكون لي عونا عند الحساب ، ويجوز معي على الصّراط ، ويثبّتني بين يدي اللّه تعالى . قال : أحسنت .
والثّالث : رأيت لكلّ أحد من النّاس عدوّا ، فقلت : أنظر من عدوّي ، فرأيت من اغتابني ، أو أخذ مالي ، أو ظلمني فليس عدوّي ، ولكنّ عدوي الذي إذا كنت في طاعة اللّه أمرني بمعصيته ، فرأيت أنّ ذلك إبليس وجنوده ، فاتّخذتهم أعداء ووضعت الحرب بيني وبينهم ، ووترت قوسي ، وفوّقت سهمي « 1 » ، فلا أدع أحدا منهم يقربني . قال : أحسنت .
والرّابع : رأيت كلّ واحد من النّاس له طالب ، فرأيت أنّ ذلك الطّالب ملك الموت ، ففرّغت نفسي له ، حتّى إذا جاء بادرت معه بلا علاقة . قال :
أحسنت .
والخامس : نظرت في هذا الخلق فأحببت واحدا ، وأبغضت واحدا ؛ فالذي أحببته لم يعطني شيئا ، والذي أبغضته لم يأخذ منّي شيئا ، فقلت :
من أين أتيت ؟ فنظرت فإذا هو الحسد ، فنفيته عنّي ، وأحببت النّاس كلّهم ، فكلّ شيء ما رضيته لنفسي ، لم أرضه لهم . قال : أحسنت .
والسّادس : رأيت كلّ واحد من النّاس له بيت يسكنه ، ويأوي إليه ، فرأيت مسكني القبر ، وكلّ شيء قدرت عليه من الخير ، قدّمته « 2 » لنفسي حتّى أعمّر قبري ؛ فإنّ القبر إذا كان خرابا ، لا يمكن المقام فيه .
فقال له شقيق : يكفيك هذا ، ولست تحتاج إلى غيره « 3 » .
هامش
( 1 ) فوّقت سهمي : جعلت الوتر في فوقه عند الرمي . والفوق : موضع الوتر من السهم .
متن اللغة ( فوق ) .
( 2 ) في ( أ ) : فقدّمت .
( 3 ) حلية الأولياء 8 / 79 ، المختار 2 / 137 .