وقال : النّاس في الدّنيا رجلان : رجل أحبّ اللّه ، فأحبّ الموت شوقا إلى لقائه ، ورجل أحبّ البقاء لإقامة حقّ اللّه . فوثب إليه غلام لم يحتلم ، فقال : ورجل ثالث . قال : ومن هو ؟ قال : من لا يختار هذا ولا هذا ؛ بل اختار ما اختاره اللّه له ، فقال أبو سليمان : احتفظوا بالغلام ؛ فإنّه صدّيق « 1 » .
وقال : المجتهدون بالبصرة ، والفقهاء بالعراق ، والزّهّاد بخراسان ، والأبدال « 2 » بالشّام .
وقال أحمد بن أبي الحواري : رأيت سليمان يلقم العوام الزّبد والعسل ، وكنت آتيه بالزّبد والعسل إلى منزله مرّتين ، فلم يذقه ، فقلت :
تطعمنا ولا تأكل منه ؟ ! فقال : أنا أعرف منكم أنّكم تشتهونه ، فأنا أحبّ أن أطعمكم شهوتكم ، والزّبد والعسل إسراف ، وأنا أخافه ، ولو جاءني من يعرف ما زدته على الملح مع الخبز « 3 » .
ثمّ بتّ أنا وهو عند أحمد بن سباع ، فجاء بسكرّجة فيها زبد وعسل ، ورغيف درمك « 4 » ، فجعل يأكل ، فقلت : تأكل هذا ، وفي بيتك مثله لم لا تأكله ؟ ! فقال لي : يا أحمد ، من أكل ليسرّ أخاه لم يضرّه أكله ، إن عامل اللّه لا يخيب على كلّ حال ، وإنّما يضرّه إذا أكل بشهوة نفسه « 3 » .
وقال : من أعرض عن اللغو ، وأراد بذلك اللّه جمع بالخشية ، وأيّد بالحكمة ، ومن أعرض عن الدّنيا محتسبا صابرا أري الآخرة ، وأغني بها ، ومن زاد زاده اللّه ، ومن حفظ سمعه من كلّ طارق هوى أسمعه اللّه كتابه ، فإن اجتمع في سماع الكتاب ، وصل إلى الفلاح ، وهو حال من أحوال أهل
هامش
( 1 ) المختار 3 / 384 .
( 2 ) في ( أ ) : والبدلاء .
( 3 ) المختار 3 / 384 .
( 4 ) درمك : الدقيق الحوّاري ( الأبيض ) . اللسان .