وقال : احذر صغير الدّنيا ؛ فإنّ صغيرها يجرّ إلى كبيرها « 1 » ، ومن أراد منها شيئا ، فهو يريدها كلّها .
وقال : بينا أنا مارّ في طريق بيت المقدس ، إذ رأيت امرأة ، عليها جبّة شعر « 2 » ، وعلى رأسها خمار صوف ، وهي جالسة ورأسها بين ركبتيها ، وهي تبكي ، فقلت لها : ممّ بكاؤك يا جارية ؟ فقالت : يا أبا سليمان ، وكيف لا أبكي وأنا أحبّ لقاءه ! فقلت لها : لقاء من تحبين ؟ فقالت : وهل يحبّ المحبّ غير لقاء المحبوب ؟ ! فقلت لها : ومن محبوبك ؟ فقالت :
علّام الغيوب . قلت : يا جارية ، وكيف تحبّين علّام الغيوب ؟ قالت : إذا صفّيت نفسك من العيوب ، وجالت روحك في الملكوت ، عند ذلك تصل إلى محبّة المحبوب . فقلت : يا جارية ، فكيف يكونون في محبّتهم للّه تعالى ؟ قالت : يا أبا سليمان ، أبدانهم نحيلة ، وألوانهم متغيّرة ، وعيونهم هاطلة ، وقلوبهم واجفة ، وأرواحهم ذائبة ، وألسنتهم بذكر محبوبهم لهجة . قلت : يا جارية ، من أين لك هذه الحكمة التي تنطقين بها ؟
فقالت : يا أبا سليمان ، الحكمة لا تجيء بطول العمر . قلت : فبماذا تجيء ؟ قالت : بصفاء الودّ ، وحسن المعاملة . ثمّ قالت : أوّاه . وأنشأت تقول :
قد كتمت الهوى فباح بسري * عبرات من الجفون تسيل
ثم قالت : أوّه أوّه ، وأنشأت تقول :
كتب الدّمع فوق خدّيّ سطرا * كلّ وجد بمن هويت قليل
فاعذروني إذا بكيت من الوج * د فما لي إلى العزاء سبيل
إنّ دمعي لشاهد لي على الحب * ب دليل بأنّ حزني طويل
ثمّ قامت فدخلت بين الجبال في واد ، وأنا أنظر إليها .
هامش
( 1 ) الحلية 9 / 261 .
( 2 ) في ( ب ) : جبة مسح ، وفي المنتقى : جبة صوف متسخ .