فلا تغترّوا به حتّى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنّهي ، وحفظ الحدود ، وأداء الشّريعة « 1 » .
وقال رجل لأبي يزيد : ما لك لا تسافر ؟ فقال : لأنّ صاحبي لا يسافر ، وأنا مقيم معه . فقال له السّائل : إنّ الماء القائم « 2 » يتغيّر ، والوضوء والغسل منه مكروه . فقال له أبو يزيد : لم يروا بماء البحر بأسا ، وإن كان متغيّرا ، هو الطّهور ماؤه ، الحلّ ميتته . ثمّ قال : ترى الأنهار تجري ، ولها دويّ وخرير ، حتّى إذا دنت من البحر ، وامتزجت به ، سكن خريرها ، ولم يحسّ ماء البحر بها ، ولا تظهر فيه زيادة بسببها ، ولا إن خرجت منه استبان فيه نقص « 3 » .
وجاءه رجل فقال : أوصني . فقال أبو يزيد : انظر إلى السّماء . فنظر إليها ، فقال : تدري من خلقها ؟ قال : اللّه . فقال : إنّ الّذي خلقها مطّلع عليك حيث ما كنت ، فاحذره « 4 » .
وقال : أشدّ المحجوبين عن اللّه ثلاثة بثلاثة ، فأوّلهم الزّهد بزهده ، والثّاني العابد بعبادته ، والثّالث العالم بعلمه ، ثمّ قال : مسكين الزّاهد ، قد تلبّس بزهده ، وجرى في ميدان الزّهّاد ، وقد علم المسكين « 5 » أنّ الدّنيا كلّها سمّاها اللّه
قَلِيلًا *
، فكم ملك من القليل ؟ وفي كم زهد ممّا ملك ؟
[ إنّ الزّاهد هو الّذي يلحظ إليه بلحظه ، فيبقى عنده ، ثم لا يرجع نظره إلى غيره ، ولا إلى نفسه ] ، وأمّا العابد فهو الّذي يرى منّة اللّه عليه في العبادة أكثر من العبادة [ حتّى تغرق عبادته في المنّة ] ، وأمّا العالم فلو علم أنّ جميع ما أبدى اللّه من العلم سطر واحد من اللّوح المحفوظ ، فكم علم
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 56 ، المختار 3 / 184 .
( 2 ) في ( ب ) : الماء الدائم .
( 3 ) حلية الأولياء 10 / 35 ، المختار 3 / 195 ، وكلمة : نقص مثبة من المنتقى .
( 4 ) الحلية 10 / 35 ، المختار 3 / 189 .
( 5 ) في ( أ ) : المسلمين ، وفي ( ب ) : ولو علم المسكين .