بالولاية ، ننظر إليه ، وكان رجلا مقصودا ، معروفا بالزّهد ، فمضينا إليه ، فلمّا خرج من بيته ، ودخل المسجد ، رمى ببصاقه تجاه القبلة ، فانصرف أبو يزيد ، ولم يسلّم عليه ، وقال : هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكيف يكون مأمونا على ما يدّعيه من الزّهد ؟ ! « 1 »
وقال : لقد هممت أن أسأل اللّه أن يكفيني مؤونة الأكل ، ومؤونة « 2 » النّساء ، ثمّ قلت : كيف يجوز لي أن أسأل اللّه مثل هذا ، ولم يسأله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ ثمّ إنّ اللّه كفاني مؤونة النّساء ، حتّى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط « 3 » .
وسئل عن ابتداء زهده ، فقال : ليس للزّهد منزلة ، لأنّني كنت ثلاثة أيّام في الزّهد ، فلمّا كان اليوم الرّابع خرجت منه ، فاليوم الأوّل : زهدت في الدّنيا وما فيها ، واليوم الثّاني : زهدت في الآخرة وما فيها ، واليوم الثّالث : زهدت فيما سوى اللّه ، فلمّا كان اليوم الرّابع لم يبق لي سوى اللّه ، فنمت ، فسمعت في المنام هاتفا يقول : يا أبا يزيد ، لا تقوى معنا . فقلت :
هذا الذي أريد . فسمعت قائلا يقول : وجدت ، وجدت « 3 » .
وقيل : ما أشدّ ما لاقيت في سبيل اللّه ؟ فقال : لا يمكن وصفه . فقيل له : ما أشدّ ما لقيت منك نفسك ؟ فقال : أمّا هذا فنعم ، دعوتها إلى شيء من الطّاعات ، فلم تجبني ، فمنعتها الماء سنة « 4 » .
وقال : منذ ثلاثين سنة أصلّي ، واعتقادي في نفسي كلّ صلاة كأنّي مجوسيّ ، أريد أن أقطع زناري « 5 » .
وقال : إذا نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتّى تربّع في الهواء ،
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 55 ، 374 ( الولاية ) .
( 2 ) في ( أ ) : مؤنة .
( 3 ) الرسالة القشيرية 55 ، المختار 3 / 183 .
( 4 ) الرسالة القشيرية 56 ، المختار 3 / 183 .
( 5 ) الرسالة القشيرية 56 ، المختار 3 / 184 .