وقال حاتم الأصم : كنّا مع شقيق في مصاف « 1 » نحارب التّرك ، وكان يوما لا ترى فيه إلّا رؤوسا تندر « 2 » ، أو رماحا تقصف ، وسيوفا تتقطّع ، فقال لي شقيق : كيف ترى نفسك يا حاتم في هذا اليوم ؟ تراه مثل ما كنت في اللّيلة الّتي زفّت إليك امرأتك ؟ فقلت : لا واللّه . فقال : لكنّي ، واللّه أرى نفسي في هذا اليوم مثل ما كنت في تلك اللّيلة . ثمّ نام بين الصّفين ، ودرقته « 3 » تحت رأسه ، حتّى سمعت غطيطه « 4 » .
وقال : لمّا رزقني اللّه التّوبة ، خرجت من ثلاث مئة ألف درهم ، وكنت مرابيا ، ولبست الصّوف عشرين سنة ، وأنا لا أعلم ، حتّى لقيت عبد العزيز بن أبي روّاد « 5 » ، فقال : يا شقيق ، ليس الشّأن في أكل الشّعير ، ولا لبس الصّوف ، وإنّما الشّأن في المعرفة ، فتعبد اللّه ولا تشرك به شيئا ، ثمّ تكون راضيا عن اللّه ، ثمّ تكون بما في يد اللّه أوثق منك بما في أيدي المخلوقين ، ثمّ يكون جميع ما تعمله للّه خالصا من صلاة ، وصيام ، وحجّ ، وغزو « 6 » ، إلى غير ذلك من أعمال البر ، ثمّ تلا قوله تعالى :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً
[ الكهف : 110 ] من الأكدار ، يعني خالصا لا يشوبه شرك « 7 » .
وقال : ثلاث من أعلام الزّهد ، الأوّل : أن يميل عن الهوى « 8 » ولا يميل معه ، الثّاني : ينقطع إلى الزّهد بقلبه ، الثّالث : أن يذكر كلّما خلا
هامش
( 1 ) مصاف : جمع صف ، واحد الصفوف التي تكون تلقاء وجه العدو في الحرب .
( 2 ) تندر : تسقط . القاموس .
( 3 ) الدرقة : ترس من جلد ليس فيه خشب .
( 4 ) الرسالة القشيرية 54 ، المختار 3 / 110 .
( 5 ) عبد العزيز بن أبي روّاد زاهد عابد من أعيان المكيين وعلمائهم ، أسند عن جماعة من التابعين . توفي سنة 159 للهجرة بمكة .
( 6 ) في ( ب ) : وحج وعمرة .
( 7 ) انظر المختار 3 / 109 .
( 8 ) في ( أ ) : أن لا يميل على الهوى .