محاسبة النّفس ، وأصل محاسبة النّفس الخوف والرّجاء ، وأصل الخوف والرّجاء معرفة الوعد والوعيد ، وأصل الوعد والوعيد ذكر عظيم الجزاء ، وأصل ذلك الفكرة والعبرة ، وأصدق بيت قالته العرب ما قاله حسّان بن ثابت الأنصاري « 1 » :
وما حملت من ناقة فوق كورها « 2 » * أعفّ وأوفى ذمّة من محمّد « 3 »
وقال : أوحى اللّه إلى نبيّ من الأنبياء : بعيني ما يتحمّل المتحمّلون من أجلي ، وما يكابد المكابدون في طلب مرضاتي ، فكيف إذا صاروا إلى جواري ، وأسفرت لهم عن وجهي ؟ فليبشر المصفّون أعمالهم بالنّظر العجيب من الحبيب القريب ، أتراني أنسى لهم عملا ؟ ! كيف وأنا ذو الفضل العظيم ، أجود على المولّين عنّي ، فكيف بالمقبلين عليّ ؟
وما غضبت على شيء كغضبي على من أخطأ خطيئة ، ثمّ استعظمها في جنب عفوي . فلو عاجلت أحدا لعاجلت القانطين من رحمتي ، ولو يروني عبادي كيف أستوهبهم ممّن اعتدوا عليهم بالظّلم في دار الدّنيا ، ثمّ أوجبت لمن وهبهم النّعيم المقيم لما اتّهموا فضلي وكرمي ، ولو لم أشكر عبادي إلّا على خوفهم من المقام بين يدي ، لشكرتهم على ذلك ، ولو يراني عبادي كيف أرفع لهم قصورا تحار فيها الأبصار ، فيقال : لمن هذه ؟
فأقول : لمن عصاني ، ولم يقطع رجاءه منّي ، وأنا الدّيّان الّذي لا تحلّ معصيتي ، ولا حاجة بي إلى هوان من خاف مقامي « 4 » .
هامش
( 1 ) لم أجده في ديوان حسان ، والبيت من الشعر المتنازع فيه ، فهو في سيرة ابن هشام 4 / 424 والإصابة 1 / 123 ينسب لأنس بن زنيم الديلي ، وفي الاستيعاب 1605 ينسب لأبي إياس الديلي وفي معجم البلدان ( قردد ) ينسب لمالك بن نمط ، وفي المعجم الكبير 7 / 106 نسب إلى هاتف .
( 2 ) الكور : بالضم الرحل . وقيل الرحل بأداته . وفي المختار : فوق رحلها .
( 3 ) الحلية 10 / 76 ، المختار 2 / 149 .
( 4 ) حلية الأولياء 10 / 80 ، المختار 2 / 153 .