فعلى قدر ما يدخل القلب من الأنس بذلك فاللّه يخرج منه بقدر ذلك الأنس بالمخلوقين « 1 » .
وقال : من لم يهذّب نفسه [ بالرياضات ] ، لا يفتح له السّبيل إلى سنيّ المقامات « 2 » .
وقال [ أبو ] محمد بن خفيف « 3 » : دخلت يوما على القاضي عليّ بن أحمد ، فقال لي : يا أبا عبد اللّه . قلت : لبّيك ، أيّها القاضي . فقال : ههنا لكم حكاية تحتاج تكتبها بماء الذّهب . فقلت : أيّها القاضي ، ماء الذّهب لا نجده ؛ بل نكتبها بالحبر الجيّد . فقال : بلغني أنّه قيل لأبي عبد اللّه أحمد بن حنبل رحمه اللّه : إنّ الحارث المحاسبيّ يتكلّم في علوم الصّوفية ، ويحتجّ عليه بالآي والسّنن . فقال أحمد : أحبّ أن أسمع كلامه من حيث لا يعلم بي . فقال رجل : أنا أجمعك معه . فاتّخذ دعوة ، ودعا الحارث وأصحابه ، ودعا أحمد بحيث لا يرى الحارث .
فدخل الحارث وأصحابه ، فحضرت الصّلاة ، فتقدّم وصلّى بهم المغرب ، وأحضر الطّعام ، فجعل يأكل ويتحدّث معهم ، فقال أحمد : هذا من السّنة . فلمّا فرغوا من الطّعام ، غسلوا أيديهم ، ثمّ جلس الحارث ، وجلس أصحابه ، فقال : من أراد منكم أن يسأل عن شيء فليسأل ؟ فسئل عن الإخلاص ، وعن الرّياء ، ومسائل كثيرة ، فأجاب عنها ، واستشهد عليه بالآي والحديث ، وأحمد يسمع ، ولا ينكر من ذلك شيئا ، فلمّا مرّ هويّ « 4 » من اللّيل أمر الحارث قارئا أن يقرأ شيئا من القرآن على الحذر « 5 » ،
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 10 / 107 ، تهذيب الأسرار 80 ، وفيه : يدخل القلب من الأنس بذكر اللّه .
( 2 ) تهذيب الأسرار 100 ، وما بين معقوفين مستدرك منه ، وفي ( أ ) : لم يهرب .
( 3 ) في ( أ ) : حفيظ .
( 4 ) الهويّ من الليل : بفتح الهاء ، وضمها : الساعة منه . القاموس ( هوي ) .
( 5 ) في ( أ ) : على الحدر .