وقال : رأيت على جبل عرفة رجلا قد ولع به الوله ، وهو يقول :
سبحان من لو سجدنا بالعيون له * على سنا الشّوك « 1 » والمحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معشار نعمته * ولا العشير ولا عشرا من العشر
هو الرّفيع فلا الأبصار تدركه * هو العليّ على العلياء والقدر « 2 »
سبحان من هو أنسي إذ خلوت به * في جوف ليلي وفي الظّلماء والسّحر
أنت الحبيب وأنت الحبّ يا أملي * من لي سواك ومن أرجوه يا ذخري
وأنشد أيضا :
كم قد زللت فلم أذكرك في زللي * وأنت يا واحدي « 3 » في الغيب تذكرني
كم أكشف السّتر جهلا عند معصيتي * وأنت تلطف بي جودا وتسترني
لأبكينّ بدمع العين من أسف * لأبكينّ بكاء الواله الحزن « 4 »
قال : ثمّ غاص في خلال النّاس ، فلم أره بعد ذلك ، فسألت عنه ، فقيل لي : هذا أبو عبيدة سالم الخوّاص « 5 » ، منذ سبعين سنة لم يرفع إلى السّماء رأسه حياء من اللّه تعالى « 6 » .
وقال داود بن رشيد : قلت لبشر : أيش خبرك يا أبا نصر ؟ وأيش خبر أهلك ؟ فقال : أمّا خبري أنا فهذا اللّيل والنّهار ينتهبان عمري ، وأمّا أهلي فالماضي منهم لم يرجع ، والباقي لا حق بهم . قال داود : فقلت له : عظني .
فقال : يا هذا ، إنّ اللّيل والنّهار حثيثان يعملان فيك ، فاعمل فيهما « 7 » .
هامش
( 1 ) في صفة الصفوة 4 / 275 ، والمختار من مناقب الأخيار 3 / 365 : شبا الشوك .
( 2 ) في المصدرين السابقين : سبحانه من مليك نافذ القدر .
( 3 ) في المصدرين السابقين : يا سيدي .
( 4 ) في ( أ ) : الواله الحذري .
( 5 ) في ( أ ) : أبو عبد اللّه ، وفي ( ب ) : أبو عبيد سلم . والمثبت من صفة الصفوة ، والمختار . واسمه عباد بن عباد .
( 6 ) صفة الصفوة 4 / 276 ، والمختار 3 / 365 .
( 7 ) المختار 1 / 470 .