ليت لا يكون قطع ، فبقيت أنا وأنت « 1 » .
وقال : وقد خرجت ) « 2 » يوما إلى الصّحراء ، فاستقبلني رجل على رأسه حزمة حطب ، فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السّلام ، فقلت : من أين أقبلت ، رحمك اللّه ؟ قال : من عنده . فقلت : وأين تريد ؟ قال : إليه .
قلت : يرحمك اللّه ، ففيم النّجاة ؟ قال : في التّقوى والمراقبة لمن أنت متّق . قلت : عظني بموعظة أحفظها عنك . قال : وتفعل ؟ قلت : أرجو « 3 » ذلك إن شاء اللّه تعالى . فقال : فرّ منهم ، ولا تستأنس بهم ، واحذر الدّنيا ، فإنّها تعرّضك للمعاطب .
ثمّ قال لي : من عرف الدّنيا لم يطمئنّ إليها ، ومن أبصرها عرف ضررها ، ومن أبصر ضررها أعدّ لها دواءها ، ومن عرف الآخرة ، سارع في طلبها ، ومن توهّمها اشتاق إلى ما فيها . [ وهان عليه العمل . ثم قال :
فكيف لو توهّمت من يملكها ، ومن زخرفها ، ومن قال لها : كوني ، فكانت ، وتزيّني ، فتزيّنت ؟ ] ثمّ تنفّس وقال : الاشتياق إلى مالكها أولى بقلوب المشتاقين ، وأطيب لعيش المستأنسين .
ثمّ قال : إذا كان الحال بينه وبينهم سليما صافوه بالمعاملة ، فسقاهم من كأس محبّته شربة ، فظلّوا في عطشهم راوين ، وفي ريّهم عطاشا .
قال : ثمّ تركني ومضى ، فلقيت عيسى بن يونس ، فحدّثته بحديثه ، فقال : هذا رجل لا ينزل من موضعه إلّا يوما واحدا في الجمعة ، يجمع حطبا يبيعه ، يكفيه إلى الجمعة الأخرى ، لا يكلّم أحدا ، ولا يكلّمه أحد ، وإنّي لأعجب منه كيف كلّمك ، فلقد سمعت منه كلاما حسنا « 4 » .
هامش
( 1 ) المختار 1 / 469 .
( 2 ) ما بين الهلالين ليس في ( أ ) .
( 3 ) في ( أ ) : قلت : نعم ، أرجو .
( 4 ) صفة الصفوة 4 / 357 ، المختار 5 / 331 وما بين معقوفين مستدرك منه . وفيه زيادات .