أهذا ساقي السّلطان ؟ فقيل لي : لا ، بل هذا ساقي العامّة . فأوميت إليه :
اسقني . فتقدّم إليّ وسقاني ، فشممت من الكوز رائحة المسك ، فقلت لمن معي : ادفع إليه دينارا . فأعطاه الدّينار ، فأبى أن يأخذه ، وقال : ليس آخذ شيئا . فقلت له : ولم ؟ قال : أنت أسير ، وليس من المروءة الأخذ من الأسير . فقلت : هذا قد كمّل الظّرف « 1 » . وإذا إنسان يكلّمني من ورائي ، ويقول : يا شيخ ، فلم لم تتظرّف عن الحال الّتي قد أوجبت فيك ما أرى ؟
فالتفتّ فإذا هي امرأة زمنة في كوخ تتصدّق « 2 » ، فقلت لها : أنا مظلوم .
قالت : فاقبل الآن منّي ، إذا دخلت على هذا الرّجل فلا تهابه ، ولا ترى « 3 » أنّه فوقك ، فإنّكما مخلوقان من نطفة واحدة ، فقير إلى ما أنت إليه فقير ، ولا تحتجّ عن نفسك محقّا كنت أو متّهما . قلت : ولم ؟ قالت : إن هبته سلّط عليك ، وإن احتججت عن نفسك ، لم يزدك ذلك إلّا وبالا ، لأنّك تباهت اللّه فيما يعلمه منك ، وإن كنت بريئا ، فادع اللّه ، ينتصر لك ، ولا تنتصر لنفسك فيكلك إليها . قال ذو النّون : فلمّا دخلت عليه ، سلّمت عليه بالخلافة ، فقال لي : ما تقول فيما قيل فيك ؟ فسكتّ ، فقال وزيره :
هو حقيق عندي بما قيل فيه . ثمّ قال لي : لم لا تتكلّم ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن قلت لا ، أكذبت المسلمين فيما قالوا ، وإن قلت نعم ، كذبت على نفسي بشيء لا يعلمه اللّه منّي ، فافعل ما ترى ، فإنّي غير منتصر لنفسي . فقال أمير المؤمنين : هذا رجل بريء ممّا قيل فيه . ثمّ قال : عظنا عافاك اللّه . فقلت : يا أمير المؤمنين ، رجل يعلم أنّ اللّه خلقه ، وخلق الجنّة من أجله إن أطاعه ، وخلق النّار من أجله إن عصاه ، لا يكون على مثل ما رميت به من البدعة ، ولا مثل ما أنتم عليه من الغفلة . فخلّى عنّي ، فخرجت إلى العجوز ، فقلت : جزاك اللّه عنّي خيرا ، فقد امتثلت ما أمرت
هامش
( 1 ) في ( أ ) : كمل الصرف .
( 2 ) تتصدق : تسأل الصدقة . انظر متن اللغة .
( 3 ) كذا في الأصلين ، والمنتقى .