وما كفاك ما سمعت ؟ فقلت : يرحمك اللّه ، إنّي رجل مبتدئ لا علم لي .
فقال : هكذا ؟ قلت : نعم . قال : اعلم أنّ الزّاهد في الدّنيا قوته ما وجد ، ومسكنه حيث أدرك ، ولباسه ما ستر عورته ، والخلوة مجلسه ، والقرآن حديثه ، واللّه تعالى أنيسه ، والذّكر رفيقه ، والزّهد قرينه ، والصّمت محبّته ، والخوف محجّته ، والشّوق مطيّته ، والنّصح نهمته « 1 » ، والاعتبار فكرته ، والصّبر وسادته ، والتّراب فراشه ، والصّدّيقون إخوانه ، والحكمة كلامه ، والعقل دليله ، والحلم خليله ، والتّوكّل كسبه ، والجوع إدامه ، والبكاء جدير به « 2 » ، والجنّة منزله ، واللّه عونه . فقلت له : رحمك اللّه ، فمتى يتبيّن « 3 » للعبد الزّيادة في هذا المكان ؟ فقال : بالمحاسبة والمناقشة لها .
ثمّ قال : حسبك الآن ، حسبك .
وقال : من تقرّب إلى اللّه تعالى بتلف نفسه ، حفظ اللّه عليه نفسه « 4 » .
وقال : تضاحكت الأشياء إلى أولياء اللّه العارفين بأفواه القدرة من مليكها ، لما يرون من آثار صنعه فيها ، ويعاينون من بدائع خلقه معها ، فلهم في كلّ شيء معتبر ، وعند كلّ شيء مذكّر .
وقال : من أراد أن يتعلّم المروءة والظّرف ، فعليه بسقاة الماء في بغداد ، ومن أراد أن يسمع تجريد التّوحيد وخالص التّوكّل فعليه بالنّساء الزّمنى بها . قيل له : كيف ذلك ؟ فقال : لمّا حملت إلى بغداد ، رمي بي على باب السّلطان مقيّدا ، فمرّ بي رجل متّزر بمئزر مصري « 5 » ، معتم بمنديل ديبقي « 6 » ، بيده كيزان خزف رقاق ، وزجاج مخروط ، فسألت :
هامش
( 1 ) في ( أ ) : والنصح همته .
( 2 ) في ( ب ) : والبكاء حذير به . وفي المنتقى : والبكاء جريرته . وفي كتاب المكنون 10 / أ : والبكاء دأبه .
( 3 ) في ( ب ) : وبم يتبيّن .
( 4 ) المختار 2 / 364 .
( 5 ) في ( ب ) : مئتز بمنديل مصري .
( 6 ) الديبقي : نسبة إلى ديبق بلدة بمصر تصنع فيها الثياب الدقيقة ، والمنسوجة بالذهب .