وقال : اعتلّ رجل من إخواني ، فكتب إليّ : ادع اللّه لي . فكتبت إليه :
سألتني أن أدعو اللّه لك أن يزيل عنك الغمّ ، واعلم يا أخي أنّ العلّة يأنس بها أهل الصّفاء ، والهمّ والضّنى « 1 » ، ومن لم يعدّ البلاء نعمة فليس من الحكماء ، ومن لم يأمن الشّفيق على نفسه فقد أمن أهل التّهم على أمره « 2 » ، فليكن معك من اللّه حياء ، حتّى يمنعك الشّكوى ، والسّلام عليك ورحمة اللّه « 3 » .
وقال : وصف لي رجل بالمغرب ، مذكور « 4 » بالحكمة والمعرفة ، ونعت لي « 5 » من كلامه ما حملني على لقائه ، فرحلت إليه إلى المغرب ، فأقمت على بابه أربعين يوما على أن يخرج « 6 » من بيته إلى المسجد ، فكان يخرج في كلّ وقت صلاة ، ويرجع كالواله ، لا يكلّمني ولا يكلّم أحدا ، فضاق لذلك صدري ، فقلت له : يا هذا ، إنّي مقيم ههنا منذ أربعين يوما ، لا أراك تكلّمني ! فقال : يا هذا ، لساني سبع ، فإن أنا أطلقته أكلني . فقلت له : رحمك اللّه ، عظني موعظة أحفظها عنك . قال : أو تفعل ؟ قلت : نعم ، إن شاء اللّه . فقال : لا تحبّ الدّنيا « 7 » ، وعدّ الفقر غنى ، والبلاء من اللّه نعمة ، والمنع من اللّه عطاء ، والوحدة مع اللّه أنسا ، والذّلّ عزّا ، والحياة موتا ، والمباهاة خطأ « 8 » ، والطّاعة حرفة ، والتّوكّل معاشا ، واللّه تعالى لكلّ شدّة عدّة . ثمّ مكث بعد ذلك شهرا لا يكلّمني ، فقلت له : يرحمك اللّه ، إنّي أريد الرّجوع إلى بلدي ، فإن رأيت أن تزيدني من الموعظة . فقال :
هامش
( 1 ) في تهذيب الأسرار : والهمم والضياء .
( 2 ) في تهذيب الأسرار : فهو من أهل التهمة على أمره .
( 3 ) تهذيب الأسرار 540 .
( 4 ) في ( أ ) : وذكر .
( 5 ) في المنتقى : وبعث لي .
( 6 ) في المنتقى : حتى خرج .
( 7 ) في المنتقى : لا تصحب الدنيا .
( 8 ) في ( ب ) : والمباهاة حظّا .