تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
يحال بينهم وبين السّباق ، فشمّروا وقصدوا إلى اللّه إيمانا به ووفاء بعهده ، وإيقانا بمعرفته ، كما قال اللّه تعالى :
رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
[ الأحزاب : 23 ] احتملوا في الدّنيا المصائب ، لما يرجون في الآخرة من الرّغائب ، فلم يجدوا ألم البلا ، ولم يحسّوا ببعض الأذى ، استصغروا عند تحقيق المعرفة باللّه تعالى ، كلّ ما نالهم ، طيبة بذلك أنفسهم ، صحيحة للّه تعالى نياتهم ، سليمة لأولياء اللّه صدورهم ، عرفوا شدّة فقرهم إليه ، فقطعوا الرّجاء من غيره ، وعزفت عن الدّنيا نفوسهم ، وتطلّعت إلى الآخرة قلوبهم ، فما نظروا إلى الدّنيا نظرة راغب ، ولا تزوّدوا منها إلا كزاد الرّاكب ، خافوا الهلاك فأسرعوا ، ورجوا النّجاة فأدلجوا سيرا إلى اللّه ، لا عن العلم مقصّرين ولا غافلين ، جعلوا القرآن صراطهم المستقيم ، فثبّتوا عليه أقدامهم ، وأصغوا إليه آذانهم ، فكان لهم إلى الخير داعيا ، وإلى النّجاة دليلا هاديا ،
أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
« 1 » [ الزمر : 18 ] . وقال محمد بن الحسن الجوهري : سمعت ذا النّون يقول : ينبغي لمن يعلم أنّ له مقاما بين يدي اللّه ليسأله عمّا سلف في هذه الدّار ، أن لا يؤثر الحقير القليل على الكثير الجزيل ، ولا التّأنّي والتّقصير على الجدّ والتّشمير ، ولا سيما إذا كان قد أمدّه اللّه منه بإيقان « 2 » العلم ، ولقّح عقله بدلالات الفهم ، أن لا يتحيّر في ظلمة الغفلة التي تحيّر « 3 » فيها الجاهلون ، والعجب كلّ العجب لأهل هذه الصّفة ، كيف استوحشوا من طاعة اللّه ؟ وأنسوا بغيره عزّ وجلّ ؟ وركنوا إلى الدّنيا وتقلّب حالاتها ، وكثرة آفاتها ؟ ! ولا زادتهم الدّنيا إلّا هوانا ، ولا ازدادوا لها « 4 » إلّا إكراما ، فما مستيقظ من
هامش
( 1 ) المختار 2 / 341 ، 342 . ( 2 ) في المنتقى ، والمختار : بإتقان . ( 3 ) في ( أ ) : يتحيّر . ( 4 ) في ( أ ) : ولا ازدادوا المنى .
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار — صفحة 99 | محمد أديب الجادر / الحسين بن نصر ابن خميس