رياضة الموقنين ، وكانت قرّة أعينهم فيما قلّ وزجا « 1 » ، وأبلغ وكفى ، وستر ووارى ، وأكحلوا أبصارهم بالسّهر ، وغضّوها عن النّظر ، وألزموها العبر ، وأشعروها الفكر ، فقاموا ليلهم أرقا ، واستهلّت آماقهم نسقا ، وتبادرت دموعهم سحّا فلم ترقا ، نهارهم صيام سغبا ، وليلهم قيام تعبا ، متبتّلين إليه ساعات اللّيل والنّهار ، قد ضنيت منهم الأبدان ، وتغيّرت فيهم الألوان ، صحبوا القرآن بأبدان ناحلة ، وشفاه ذابلة ، ودموع وابلة ، وزفرات قاتلة ، حال بينهم وبين نعيم المتنعّمين رعاية آمال الرّاغبين ، فاضت عبراتهم من وعيده ، وشابت ذوائبهم من تحذيره ، فكأنّ زفير النّار تحت أقدامهم ، وكأنّ وعيده نصب قلوبهم ، تمرضهم قوارعه ، وتشفيهم منافعه ، لم يشقوا بحمله ، ولم يزوغوا عن عدله « 2 » ، ولم يرغبوا عنه ، آمنوا بتنزيله ، وجاهدوا في سبيله بعبرة وبيان ، وحجّة وبرهان ، فلو رأيتهم رأيت قوما قد جعلوا الرّكب للتّراب مهادا ، والتّراب لجباههم وسادا ، تقرّبوا بخالص القربان ، ومضوا على شرائع الإيمان ، واستناروا بنور الرّحمن ، فما قلّ ما لبثوا أن أنجز لهم القرآن موعده ، ووفّى لهم عهوده ، وأحلّهم سعوده ، فنالوا به الرّغائب ، وعانقوا فيه الكواعب ، وأمنوا به المعاطب ، نظروا إلى الدّنيا بأعين قالية ، وأنفس مريضة ، أتراهم « 3 » لم يشتهوا من الأموال كنوزها ؟ ومن المطايا عزيزها ؟ ومن القصور مشيدها ؟
بلى ؛ ولكنّهم نظروا بتوفيق اللّه ومحبّته ، فرفضوا الدّنيا قبل أن ترفضهم ، وتركوها قبل أن تتركهم ، وسمعوا صوت المنادي يقول :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
[ آل عمران : 133 ] فما عاجوا « 4 » ولا انتظروا ، واستبطؤوا أنفسهم ، وخافوا أن
هامش
( 1 ) زجا : تيسّر .
( 2 ) في ( ب ) : لم يرعبوا عدله ، وفي المختار : لم يروّعوا عن عدله .
( 3 ) في ( أ ) : مريضة أنزلهم . وفي المختار : وأنفس مرضية .
( 4 ) فما عاجوا : فما أقاموا .