الأموات ، وجيران الأموات ، وعن قليل أنتم الأموات ، قد أخليتم الدّور ، وعمّرتم القبور ، فقد برح الخفاء لمن فهم الخفاء ، وخانت العلماء فارتقبت « 1 » ، وقلّت الخطباء ، وكثرت الدّواهي ، وقلّت النّواهي ، وكثر الأشرار « 2 » ، وقلّ الأخيار ، وانتكهوا الآثام ، وقطعوا الأرحام ، ورضوا بالسّلام ، وجلس بعضهم مجالس العلماء ، يقولون ما لا يعملون « 3 » . عبيد للدّنيا ، فهم لها متصنّعون ، ولها « 4 » متخشّعون . غنيّهم فقير ، وجارهم ذليل ، لا يبالي غنيّهم ما طوى عليه جاره من جوع أو عري . إن سألوا ألحّوا ، وإن سئلوا أشحّوا . لبسوا الثّياب على قلوب الذّئاب ، اتّخذوا مساجد اللّه التي يذكر فيها اسمه لرفع أصواتهم ، وجمع إخوانهم .
لا تجالسوهم ، فليس لله فيهم حاجة « 5 » .
وقال محمد بن الحسن الجوهري : دخلت أنا وأبو الفضل على ذي النّون ، فقلت له : أكرمك اللّه ، حدّثني بحديث ؛ لعلّي أنتفع به ، وأذكرك به . فرفع رأسه ، ونظر ساعة إليّ ، ثمّ قال : وأنت تكتب الحديث ؟ فقلت :
ربّما فعلت ذلك ، ورجوت أنّك تحدّثني حديثا في الدّقائق ، يكون عونا لي على هذا المذهب . فقال : إن للحديث رجالا ، ولي شغل بنفسي عن الحديث ، وإن كان الحديث من أركان الدّين ، فلو لا نقص دخل على أهل الحديث والفقه لكانوا أفضل النّاس في زمانهم ، ولكن بذلوا علمهم لأهل الدّنيا فحجبوهم ، وتكبّروا عليهم ، وجعلوهم خولا ، وافتتنوا بالدّنيا لما رأوا حرص أهل العلم والمتنعّمين من القراء على الدّنيا ، والمنزلة عند أهلها ، إذ القوم طلبوا ( الآخرة ، وخافوا أنّهم لا ينالوها ، هؤلاء طلبوا ) « 6 »
هامش
( 1 ) في ( ب ) : فارتقب .
( 2 ) قوله : قلت النواهي وكثر الأشرار ليس في ( أ ) .
( 3 ) في ( أ ) : يعلمون عبيدا .
( 4 ) في ( أ ) : وعليها .
( 5 ) تاريخ دمشق 17 / 422 .
( 6 ) ما بين هلالين ليس في ( أ ) .