تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
وقال يوسف بن الحسين أيضا : سمعت ذا النّون يوصي رجلا ، ويقول له : ليكن آثر الأشياء عندك وأحبّها إليك أحكام ما افترض اللّه عزّ وجلّ عليك ، واتّقاء ما نهاك عنه ، فإنّ ما تعبّدك اللّه به خير لك فيما تريد ، وأفضل ممّا تختاره لنفسك من أعمال البرّ الّتي لم تجب عليك ، وأنت ترى أنّها أبلغ لك فيما تريد ، كالّذي يريد أن يؤدّب نفسه بالفقر ، والتقلّل ، وما أشبه ذلك . وإنّما ينبغي للعبد أن يراعي أبدا ما وجب عليه من فرض ، فيحكمه على تمام حدوده ، وينظر إلى ما نهى اللّه عنه فيتّقيه على إحكام ما ينبغي ، فإن الّذي قطع العباد عن ربّهم ، وقطعهم عن أن يذوقوا حلاوة الإيمان ، وعن أن يبلغوا حقائق الصّدق ، وحجب قلوبهم عن النّظر إلى الآخرة ، وما أعدّ فيها لأوليائه وأعدائه ، حتّى يكونوا كأنّهم مشاهدون « 1 » ، إنّما قطعهم تهاونهم عن أحكام ما فرض عليهم في قلوبهم ، وأسماعهم ، وأبصارهم ، وألسنتهم ، وأيديهم ، وأرجلهم ، وبطونهم ، وفروجهم ، ولو وقفوا على هذه الأشياء وأحكموها لأدخل البرّ عليهم إدخالا تعجز أبدانهم وقلوبهم عن حمل ما رزقهم اللّه تعالى من حسن معونته ، وفوائد كرامته ؛ ولكنّ أكثر القرّاء والنّسّاك حقروا محقّرات الذّنوب ، وتهاونوا بالقليل منها ، وممّا فيهم من العيوب ، فحرموا ثواب لذّة الصّادقين في العاجل ، وأستغفر اللّه مما نقول ونفعل . وقال محمد بن الحسن الجوهري : سمعت ذا النّون يقول : يا أيّها النّاس ، هذا أوان ينصح فيه الأحياء ، إذ الأموات في غمرتهم يعمهون ، حين غدا الدّين غريبا منبوذا ، غدا أهله غرباء مهينون ، قد أقبلوا على أكل الحرام « 2 » ، وتركوا طلب الحلال ، ورفضوا المعروف ، وأقبلوا على المنكر ، وتركوا الجهاد ، فأظلمت الأرض بعد نورها ، ورضيت العلماء من العلم بعلمهم . فانتبهوا أيّها الأموات ، أبناء الأموات ، وإخوان
هامش
( 1 ) في ( أ ) : مشاهدين . ( 2 ) في ( أ ) : على أحكام الحرام . وفي تاريخ دمشق : أهل الحرام .