من صرف المودّة شربة ، فماتت شهواتهم في القلوب ، من خوف عواقب الذّنوب ، وذهلت أنفسهم عن المطاعم من خوف فوت المناعم ، في دار تستطاب فيها المكارم ، قد أنحلوا الأبدان بالجوع والأحزان ، وصفّوا القلوب من كلّ كدر ، فهي معلّقة بمواصلة المحبوب .
ثمّ قال : يا حسن غرائس « 1 » الأشجان في رياض الكتمان ، وقد نمت في صحن مروج القلوب ، قد سقوه من ماء المنى ، فالأحزان تهيّجهم ، والشّوق يقلقهم . ثمّ تنفّس وقال :
شوق أضرّ بمهجة المشتاق * أجرى سوابق عبرة الآماق
لعبت يد العبرات في وجناته * وكذا به لعبت يد الأشواق
ويقال : ليس بذي لبّ من كأس « 2 » في أمر دنياه ، وحمق في أمر آخرته ، ولا من سفه في مواطن حلمه ، وتكبّر في مواطن تواضعه ، ولا من فقد منه التّقوى في مواطن طمعه « 3 » ، ولا من غضب من حقّ إن قيل له ، ولا من زهد فيما يرغب العاقل في مثله ، ولا فيما يزهد الأكياس في مثله ، ولا من استقلّ الكثير من خالقه ، واستكثر قليل الشّكر من نفسه « 4 » ، ولا من طلب الإنصاف من غيره لنفسه ، ولم ينصف من نفسه غيره ، ولا من نسي اللّه تعالى في مواطن طاعته ، وذكر اللّه في مواضع الحاجة إليه ، ولا من جمع العلم ليعرف به ، ثمّ آثر عليه هواه عند متعلمه ، ولا من قلّ منه الحياء من اللّه على جميل ستره ، ولا من أغفل الشّكر عن إظهار نعمه ، ولا من عجز عن مجاهدة عدوّه لنجاته إذ صبر عدوه على مجاهدته لهلكته ، ولا من جعل فروته لباسه « 5 » ، ولم يجعل أدبه وورعه وتقواه
هامش
( 1 ) في ( أ ) : عرائش .
( 2 ) كأس يكيس كيسا وكياسة : ظرف وفطن .
( 3 ) في ( ب ) : طعمه .
( 4 ) انظر قول أبي يزيد صفحة 210 .
( 5 ) في ( ب ) : أهلكته ، ولا جعل مروءته .