وتغسّقت « 1 » ظلمة الأفق ، وسكنت حركات البشر ، إذا أنا بشخص مارّ بين يدي ، فلحقته ، فإذا رجل كهل ، حسن الوجه ، طيّب الرّيح ، فصيح اللّسان ، عذب الكلام ، عليه بزّة حسنة ، فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السّلام ، فقلت : يا شيخ ، ما الّذي دعاك إلى الوحدة والانفراد في هذا المكان ، القليل « 2 » الألّاف ، البعيد من النّاس ؟ فقال : طلب الظّفر بمن يملك رقّ البشر ، وهو على كل شيء مقتدر . قلت : فعلى ما أنت مقيم يومك هذا ؟
فقال : قد كادت عيني أن ترى أعلام المستأنسين ، وروحي أن تشرب بكأس المحبّين ، وقلبي أن يخامره قلق المشتاقين . قلت له : ما الّذي قطع بك عن الوصول إلى ما هناك ؟ فقال : يا ذا النّون ، ها أنا دائم القلق ، أضرع إليه في الرّاحة ، وأسأله بلوغ الأمنيّة ، وهو العليم بما يصلح به النّفوس .
قلت له : أفتجد على قلبك من الخلوة شدّة ؟ فقال : ما أظنّ أحدا عرف ربّه يحتاج مع أنسه إلى رؤية الأهلين ، ولا من انقطع إليه يكله إلى أحد من المخلوقين . فقلت : هل من وصية ، أو عظة ؟ فقال : نعم . قلت :
وما هي ، رحمك اللّه ؟ فقال : مبادرتك إليه إذا دعاك ، وترك التّخلّف عنه إذا ناداك ، ودوام الإقبال عليه مع كثرة المبادرة إليه ، يخلع الرّاحة من نفسك ، ويحذف كلّ ما دعاك إلى ما يبعدك عنه ، ويحول بينك وبين الظّفر بالمراد ، حتّى لا يفقدك من عند نفعك ، ولا يجدك عند مضارّك . قلت :
زدني . قال : إيّاك أن تترك حالة لحالة ، حتّى تنفد ما أنت عليه من مرادك ؛ فإنّ للعدوّ ههنا مجالا . قلت : زدني . قال : تعلّم تملّقه ، فإن له غدا فرحة تستوعب جميع الأحزان ، وتظفر « 3 » بدار الكرامة والأمان . قلت : زدني .
قال : حسبك يا ذا النّون ، إنّ عملت بما أخبرتك فقد فزت « 4 » . ومضى .
وقال يوسف بن الحسين : وصف ذو النّون المشتاقين ، فقال : سقاهم
هامش
( 1 ) في ( ب ) : وتعشت .
( 2 ) في ( ب ) : قليل .
( 3 ) في ( أ ) : وتظفرهم .
( 4 ) قوله : فقد فزت ليست في ( أ ) ولا في ( ب ) ، مستدركة من المنتقى .