تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
راكعا وساجدا ، حتّى صلّى العصر ، واستند إلى حجر مقابل المحراب ، يسبّح لا يكلّمني ، فبدأته بالكلام ، وقلت له : رحمك اللّه ، أوصني بشيء ، وادع اللّه لي بدعوة . فقال : يا بني ، آنسك اللّه بقربه . ثمّ سكت ، فقلت : زدني . فقال : يا بني ، من آنسه اللّه بقربه ، أعطاه أربع خصال : عزّا من غير عشيرة ، وعلما من غير طلب ، وغنى من غير مال ، وأنسا من غير جماعة « 1 » . ثمّ شهق شهقة ، فلم يفق إلّا بعد ثلاثة أيام ، حتّى توهّمت أنّه ميت ، فلمّا كان بعد ثلاثة أيام قام فتوضّأ من عين ماء بجنب الكهف ، فقال : يا بني ، كم فاتني من الفرائض ، صلاة أو صلاتان أو ثلاث ؟ قلت : قد فاتتك صلاة ثلاثة أيام ولياليهنّ . فقال :
إنّ ذكر الحبيب هيّج شوقي * ثمّ حبّ الحبيب أذهب عقلي
ثمّ قال : قد استوحشت من ملاقاة المخلوقين ، وقد أنست بذكر ربّ العالمين ، انصرف عنّي بسلام . فقلت له : يرحمك اللّه ، وقفت عليك ثلاثة أيّام رجاء الزّيادة منك . فقال : حبّ مولاك ، ولا ترد بحبّه بدلا ، فالمحبّون للّه هم تيجان العبّاد ، وعلم الزّهاد ، وهم أصفياء اللّه تعالى وأحبّاؤه . ثمّ صرخ صرخة ، فحرّكته ، فإذا هو ميت قد فارق الدّنيا ، فما كان إلّا هنيهة فإذا بجماعة من العبّاد منحدرين من الجبل ، حتّى واروه تحت التّراب ، فسألت عن اسم الشّيخ ، فقالوا : شيبان المصاب . قال سالم : فسألت أهل الشّام عنه ، فقالوا : كان مجنونا ، فخرج من أذى الصّبيان . قلت : أتعرفون من كلامه شيئا ؟ قالوا : بلى ، كلمة واحدة كان يغنّي بها إذا ضجر :
إذا بك لم أجن * يا حبيبي فبمن
قال سالم : فقلت : عمّي واللّه عليكم « 2 » . وقال : خرجت في سفر ، فبينا أنا أسير في بريّة وقد اعتكر اللّيل ،
هامش
( 1 ) في ( أ ) : من غير عشيرة . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 348 ، المختار 3 / 126 ، روض الرياحين الحكاية ( 39 ) .