الرهابين ، و ] ملوك في العباد ، وأمراء في الزّهاد ، للغيث « 1 » الّذي أمطر في قلوبهم الوالهة بالقدوم على اللّه شوقا ، فليس فيهم من يأنس بمخلوق ، ولا يسترزق من مرزوق . قال : يا ذا النّون ، فمتى نصل إليه ؟ قال :
يا سعدون ، صحّح العزم بطرح الأذى ، وسل الذي بسياسته تولّى . قال فتح : فأدخل سعدون رأسه فيما بين الحلقة ، فما رأيته بعد ذلك « 2 » .
وقال : إنّ اللّه أنطق اللّسان بالبيان ، وافتتحه بالكلام ، وجعل القلوب أوعية العلم ، ولولا ذلك لكان الإنسان بمنزلة البهيمة ، يومئ بالرّأس ، ويشير باليد « 3 » .
وقال ذو النّون : اصحب الّذين وصفهم اللّه في كتابه ، وهم أهل التّقوى ، الّذين هم على سمت محجّته ، لعلّك أن ترقى في ملكوت السّموات ، فتكون للأبرار جليسا ، وللأخيار في أمن اللّه في ذلك المقيل « 4 » أنيسا ، وإن كنت على التّقوى عازما ، فالنّجا النّجا فيما بقي من عمرك .
وقال سالم : بينا أنا أسير مع ذي النّون في جبل لبنان ، إذ قال لي :
مكانك يا سالم ، حتّى أعود إليك . فغاب عنّي في الجبل ثلاثة أيام ، وأنا أنتظره ، إذ هاجت عليّ النّفس بالجوع ، فأطعمتها من نبات الأرض ، وسقيتها من ماء الغدران ، فلمّا كان بعد الثّلاث ، رجع إليّ متغيّر اللّون ، ذاهب العقل ، فقلت له بعدما رجعت إليه نفسه : يا أبا الفيض ، أسبع عارضك ؟ قال : لا ، دعني من تخويف البشرية ، إنّي دخلت كهفا من كهوف هذا الجبل ، فرأيت رجلا أبيض الرّأس واللّحية ، أشعث ، أغبر ، نحيفا ، نحيلا ، كأنّما أخرج من قبره ، ذا منظر مهول ، وهو يصلّي ، فسلّمت عليه بعد ما سلّم ، فردّ عليّ السّلام ، وقام إلى الصّلاة ، فما زال
هامش
( 1 ) في ( أ ) : الغيث .
( 2 ) المختار 3 / 80 .
( 3 ) تاريخ دمشق 17 / 414 .
( 4 ) في ( ب ) : في أمن ذلك المقيل .