رميما ، ولقد حدّثت أنّ امرأة من أهل الموصل كانت تقول : كلّ لساني عن ذكر ما لا يعنيني ، كما كلّت ألسنة المشتاقين إليك عن ذكر كلّ شيء خالطه غيرك . ثمّ تنفّس وقال : ما العيش عندي إلّا عيش المشتاقين ؛ لأنّهم ما داموا محبّين مجرّدين عن لباس الشّوق « 1 » ، فهم مكدّرون « 2 » ، حتّى إذا تدرّعوا خلع الشّوق ، طاشت همومهم ، ورتعوا في رياض السّرور ، ورفعت عنهم المكابدات ، فعاشوا بروح اللّه في أعظم القدر .
وقال الفتح بن شخرف : كان سعدون صاحب محبّة للّه ، لهجا بالقول ، صام ستين سنة حتّى جفّ دماغه ، فسمّاه النّاس مجنونا لتردّد قوله في المحبّة ، قال فتح : فغاب عنّا زمانا ، وكنت إلى لقائه مشتاقا ؛ لما كان به موصوفا عند غيبته من حكم قوله ، فبينا أنا بفسطاط مصر قائم على حلقة ذي النّون رأيته ، وعليه جبّة صوف ، على ظهره مكتوب : لا يباع ولا يشترى ، وذو النّون يتكلّم على النّاس في علم الباطن ، فناداه سعدون :
متى يكون القلب أميرا بعد ما كان أسيرا ؟ فقال ذو النّون : إذا اطّلع الخبير على الضّمير ، فلم ير فيه إلّا حبّه ، لأنّه الجليل القدير . قال : فصرخ صرخة ، وخرّ مغشيّا عليه ، ثمّ أفاق وقال :
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى * ولابدّ من شكوى إذا لم يكن صبر « 3 »
ثمّ قال : أستغفر اللّه ، غلب عليّ حبّي لجنوني ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم . ثمّ قال : يا أبا الفيض ، أمن القلوب قلوب تستغفر قبل أن تذنب ؟ فقال : تلك القلوب تثاب قبل أن تطيع . فقال : يا أبا الفيض ، اشرح لي ذلك . فقال : يا سعدون ، أولئك أقوام أشرقت قلوبهم عليهم بضياء روح اليقين ، ففطموا النّفوس من روح الشّهوات ، فهم [ رهبان من
هامش
( 1 ) في ( أ ) : مجردين عن الناس للشوق .
( 2 ) في ( ب ) : مكدودون .
( 3 ) البيت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، انظر ديوانه ( أنوار العقول ) صفحة 216 .