وجاءه رجل فقال : ما بال المحزون إذا تكامل حزنه لا تجري دمعته ؟
فقال : إذا رقّ سلا ، وإذا جمد شجى . ثمّ أطرق رأسه ورفعه ، وأنشأ يقول :
إذا رقّ قلب المرء درّت جفونه « 1 » * دموعا له فيها سلوّ من الكمد
وإن كتم الأشجان من طول حزنه * علاه اصفرار اللّون في الوجه والجسد
وأحمد حال الخائفين مقامه * على كمد يضني النّفوس مع الكبد
لعمرك ما لذّ المطيعون لذّة * ألذّ وأحلى من مناجاة منفرد « 2 »
وقال يوسف بن الحسين : سمعت ذا النّون المصري يقول : رأيت شابا عند الكعبة يكثر الرّكوع والسّجود ، فدنوت منه ، وقلت له : إنّك تكثر الصّلاة . فقال : أنتظر الإذن من ربّي في الانصراف . قال : فرأيت رقعة سقطت عليه مكتوب فيها : من العزيز الغفور إلى عبدي الصّادق ، انصرف مغفورا لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر « 3 » .
وقال : كنت راكبا في البحر بعض الأوقات ، فسرقت قطيفة « 4 » ، فاتّهموا رجلا ، فقلت : دعوه حتّى أرفق به . وإذا الشّابّ نائم في عباءة ، فأخرج رأسه منها ، فقال له ذو النّون في ذلك المعنى ، فقال : ألي تقول ؟ ! أقسم عليك يا ربّ أن لا تدع واحدا من الحيتان إلّا جاء بجوهرة . قال :
فرأينا على وجه الماء حيتانا في أفواههم الجوهر ، ثمّ ألقى نفسه في البحر ، ومضى إلى السّاحل « 5 » .
وقال أبو جعفر : كنت عند ذي النّون المصري ، فتذاكرنا حديث طاعة
هامش
( 1 ) في ( أ ) : أذرت دموعه .
( 2 ) في ( ب ) : مفرد .
( 3 ) الرسالة القشيرية 502 ( كرامات الأولياء ) .
( 4 ) في إحدى نسخ الرسالة القشيرية : فسرقت جوهرة . وظني هو الوجه ؛ لما في جاء في تتمة الخبر .
( 5 ) الرسالة القشيرية 503 ( كرامات الأولياء ) .