ورفعت المكبّة ، فإذا فأرة قد قفزت من الطّبق ، فذهبت ، فاغتظت وقلت :
سخر بي ذو النّون ، ولم يذهب وهمي إلى ما أراد في الوقت ، قال :
فرجعت إليه مغضبا ، فلمّا رآني تبسّم ، وعرف القصة ، وقال : يا مجنون ، ائتمنتك على فأرة فخنتني ، فكيف أأتمنك على اسم اللّه الأعظم ؟ ! قم عنّي فارتحل ، ولا أراك بعد هذا . فانصرفت عنه « 1 » .
وقال يوسف بن الحسين : جاء رجل إلى ذي النّون ، فشكا إليه دينا عليه نحو سبع مئة دينار ، قال : فأخذ ذو النّون حصاة من الأرض ، فقال للرجل : خذها ، فإنّي أرجو أن يكون فيها قضاء دينك . قال يوسف بن الحسين : فقال لي الرّجل : جئت بها إلى صديق لي من أصحاب الجوهر ، فدفعتها إليه ، فقال لي : ليس هذا وقت بيعها ، فإن صبرت عليها ، رجوت أن تبيعها بالضّعف « 2 » ، قال : فغبت عنه شهرا ، ثمّ عدت إليه ، فإذا هو قد باعها بألف وأربع مئة دينار « 3 » .
وقال يوسف بن الحسين : سمعت ذا النّون يقول : ما أعزّ اللّه عبدا بعزّ هو أعزّ له من أن يدلّه على ذلّ نفسه ، وما أذلّ اللّه عبدا بذلّ هو أذلّ له من أن يحجبه عن ذلّ نفسه « 4 » .
وقال ذو النّون : إنّما دخل الفساد على الخلق من ستّة أشياء : الأول :
ضعف النّيّة لعمل الآخرة ، والثّاني صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم ، والثّالث غلبهم طول الأمل مع قرب الأجل ، والرّابع آثروا رضا المخلوقين على رضا الخالق ، والخامس اتّبعوا أهواءهم ونبذوا سنّة نبيّهم وراء
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 9 / 386 ، المختار 2 / 335 ، روض الرياحين الحكاية ( 245 ) .
( 2 ) في ( أ ) : بالنصف .
( 3 ) المختار 2 / 362 ، 363 .
( 4 ) حلية الأولياء 9 / 374 ، والخبر فيه عن محمد بن عبد الملك . الرسالة القشيرية 180 ( المجاهدة )