وقال يوسف بن الحسين : بلغني أنّ ذا النّون يعلم اسم اللّه الأعظم ، فخرجت من مكّة قاصدا إليه ، حتّى وافيته في جيزة مصر ، فلمّا رآني طويل اللّحية « 1 » ، في يدي ركوة كبيرة ، مؤتز بمئزر ، وعلى كتفي مئزر ، وفي رجلي تاسومة « 2 » ، فاستبشع منظري ، فلمّا سلمت عليه كأنّه ازدراني ، وما رأيت منه تلك البشاشة ، فقلت في قلبي : ترى مع من وقعت ؟
فجلست معه ، فلمّا كان بعد يومين أو ثلاثة جاءه رجل من المتكلّمين ، فناظره في شيء من الكلام ، فاستظهر على ذي النّون وغلبه ، فاغتممت لذلك ، فتقدّمت ، وجلست بين أيديهما ، واستلبت المتكلّم إليّ ، وناظرته حتّى قطعته ، ثمّ دقّقت حتّى لم يفهم كلامي ، قال : فعجب ذو النّون من ذلك ، وكان شيخا وأنا شابّ ، فقام من مكانه ، وجلس بين يدي ، وقال :
اعذرني ، فإنّي لم أعرف محلّك من العلم ، وأنت آثر النّاس عندي .
وما زال بعد ذلك يجلّني ويرفعني على جميع أصحابه ، حتّى بقيت على ذلك سنة كاملة ، فقلت له بعد السنة : يا أستاذ ، أنا رجل غريب ، وقد اشتقت إلى أهلي ، وقد خدمتك سنة ، ووجب حقّي عليك ، وقيل لي إنّك تعلم اسم اللّه الأعظم ، وقد جرّبتني ، وعرفت أنّي أهل لذلك ، فإن كنت تعرفه ، فعلّمني إيّاه . قال : فسكت عنّي ، ولم يجبني بشيء ، وأوهمني أنّه ربّما علّمني ، ثمّ سكت عنّي ستّة أشهر ، فلمّا كان بعد ذلك قال لي : يا أبا يعقوب ، أليس تعرف فلانا صديقنا بالفسطاط الّذي يأتينا ؟ وسمّى رجلا ، فقلت : بلى . قال : فأخرج إليّ من بيته طبقا فوقه مكبّة مشدودة بمنديل .
وقال لي : أوصل هذا إلى من سمّيت لك بالفسطاط . قال : فأخذت الطّبق لأودّيه ، فإذا هو خفيف ، كأنّه ليس فيه شيء ، قال : فلمّا بلغت الجسر الذي بين الفسطاط والجيزة ، قلت في نفسي : يوجّه ذو النّون بهدية إلى رجل في طبق ليس فيه شيء ! لأبصرنّ ما فيه ، قال : فحللت المنديل ،
هامش
( 1 ) في ( أ ) : فأول ما أبصرني وأنا طويل اللحية .
( 2 ) التاسومة : نعل تصنع من ليف النخيل . اللسان .