وفي فصل منها : ولم تزل الأئمّة منّا مقبلة على مواليها ، مختصّة لعبيدها ، تقدّمهم في الثّقة ، وتقرّبهم بالمودّة ، وتعدّهم لحوادث الأمور ، وتقذف بهم في معضلات الخطوب ، فيتولّون من اجتهادهم لهم ما أوجبت لهم منهم المحبّة الخالصة ، حتى شرف القوم ونبلوا ، وسما ذكرهم ونسبوا إلى مشهور أنسابهم ، ومذكور بيوتاتهم ؛ فهم الذين تسمعون عنهم وتعرفون رياستهم كآل خالد ، وبني أبي عبدة ، / وبني شهيد ، وبني بسيل ، وبني حدير ، وغيرهم من أشراف موالينا [ 1 ] . وقد أفضى الأمر إليكم ، معشر الموالي ؛ فهذا اسمكم إذ قد رفع اللّه عنكم العبوديّة به ، وأخرجكم من رقّ الملكة ، وصيّركم منّا ، وخلطكم بنا ، وأفضى بأنسابكم إلينا ، والولاء لحمة ، فمولى القوم منهم ، وملعون من انتمى إلى غير أبيه ، وادّعى إلى غير مواليه . هذا حكم الدّيانة على لسانه عليه السّلام ؛ وأمّا حكم الدنيا وسير أهل السّداد والصّلاح فيها ، فلا يخرج أيضا أن يكون ضلعكم معنا ، وميلكم إلينا ، وتعصّبكم لنا ، فنحن أحق النّاس بكم ، وأجدر أن نعمل عمل آبائنا في أمثالكم ، من مواليهم الذين أجرينا ذكرهم ، فإن نقمتم حالا مزّقت [ 2 ] الشّمل ، ونعيتم أمرا صدع الجمع ، فتلك الفتنة التي يعقّ فيها الابن أباه ، ويقتل لها المسلم أخاه ، أجارنا اللّه وإيّاكم منها ، وكشف لنا ظلمتها .
وفي فصل منها : ولعلّنا فيما ساءكم من تلك الهنات ، ونالك من الفجعات ، أوجع قلوبا ، وأشد غموما . فسبحان من لو شاء لأطلعكم على غيبنا فيكم ، وعرّفكم إشفاقنا عليكم ؛ وكيف لا يكون ذلك كذلك وما زلتم الشّعار والدّثار ، لا نؤثر عليكم ، ولا نثق إلّا بكم ؟ فإن يكن الشّيطان قد نزغ بما نزغ به بين ابني آدم فمن بعدهما من ذرّيته ، فقد آن أن تثوب الحلوم فتعود السيوف في أغمادها ، والنّبال في كنائنها ، / ونحن نعاهد اللّه ألّا نؤاخذ أحدا بذنب ، ولا نناله بعقوق له ولا بأذى ، ولا ننطوي له على إحنة ، بل نغفر ونصفح ونزيد في العطاء ، ونترككم بمواضعكم التي ارتضيتموها ، تدرّ عليكم جباياتها ، وتخصكم منافعها ، ولا ننسئ في أموركم إذا سمعتم وأطعتم .
هامش
[ 1 ] عد في هذه الفقرة عددا من العائلات الهامة التي كانت تعد موالي لبني أمية ، وهي عائلات احتلت مراكز هامة في الإدارة والمجتمع ، إذ كان الولاء رابطة سيادة ؛ وبعض مؤسسي هذه العائلات دخلوا الأندلس عربا أحرارا أو والوا بني أمية في المشرق ، ثم انتقل ولاؤهم إلى بني أمية بالأندلس ( انظر تفصيل ذلك في فجر الأندلس للدكتور حسين مؤنس ، وبخاصة ص 408 - 410 ) .
[ 2 ] س : فرقت .