تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
وحدّثت عن ابن السّقاء مدبّر قرطبة يومئذ أنّه قال : لا بأس بإسماعيل لولا أنّه نسي اليهودية . وكان على ذلك قد نظر في الكتب ، وشدا [ 1 ] أشياء من علم العرب . وكان آخر أمره قد حجب صاحبه عن النّاس ، وسجنه بين الدّن والكاس ، ملحدا في أمره ، مبرما لأسباب غدره ، ووعد جاره ابن صمادح بالمريّة أن يقعده مكانه ، ويخلع على أعطافه سلطانه ، فسرّب إليه ابن صمادح / صميم الأموال ، وجلا عليه وجوه الآمال ، وإنّما كان أراد أن يثلّ عرش الباديسيّ [ 2 ] بالصّمادحيّ ، لما كان يعلم من كلاله ، ويتيقّن من قلّة استقلاله ؛ وقد عزم ساعة يخلو له وجه ابن صمادح بعد باديس أن يتمرّس بجانبه ، ويلحقه بصاحبه ، كأنّه نظر خبر عبيد اللّه بن ظبيان ، حين وضع رأس المصعب بين يدي عبد الملك بن مروان ، فسجد عبد الملك ، قال ابن ظبيان : فقمت في ركابي ، وأحسّ بي ورفع رأسه وقال : ما الذي أردت أن تصنع ؟ قلت : هممت أن أقتلك فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد . فقال : لولا منّتك علينا برأس المصعب ، لكان عنقك أهون ما يضرب . فأراد هذا اليهوديّ على انحطاطه عن الرّجال ، وانخراطه في سلك ربّات الحجال ، أن يستدرك على ابن ظبيان ، بقتل رئيسين من رؤساء ذلك الزّمان ؛ فلمّا تمّ تدبيره ، واستوسقت له أموره ، لزم سكنى القصر ، وأخذ مفاتيح المصر ، وأظهر لصاحبه أنّ الناس قد ملّوا سياسته ، ونفسوا عليه رئاسته . وركب ابن صمادح بعسكره [ 3 ] ، وكمن حيث يسمع صوت المهيب ، ويتنسّم [ 4 ] - بزعمه - روح الفرج القريب . فلمّا كان اليوم الذي أراد أن يختمه بداهيته الدّهياء ، ويلبس سواد ليلته لغدرته الشّنعاء ، نذر به قوم من الرّجّالة المغاربة ؛ وقد كان الناس قبل ذلك استرابوا باختلال الشّأن ، واستوحشوا من احتجاب السّلطان ، وقد كان اليهودي ملّك ابن صمادح أكثر حصون غرناطة باحتجان أموالها ، وإفساد قلوب رجالها ، / فأضافها ابن صمادح إلى بلده ، وباديس لا يشعر بخروجها عن يده ، واليهودي أثناء ذلك يريش ويبري ، وشفرته في أديم صاحبه تخلق وتفري ، فلمّا كان اليوم الذي أراد اللّه فيه إزالة
هامش
[ 1 ] م ط : وشد . [ 2 ] ط م : البادسي . [ 3 ] ط : نجعه . [ 4 ] وتنسم .