المأفون [ 1 ] الرأي ، الزّاري على كلّ ذي دين [ 2 ] ، لم تسلم له يهود في دينها الملعون ، ولا أمنته على غيبها الظّنين . وكان أبوه يوسف رجلا من عامّة اليهود ، حسن السّيرة فيهم ، ميمون النّقيبة عندهم ، تولى لباديس ولأبيه قبله حبّوس بغرناطة جباية المال ، وتدبير أكثر الأعمال ، ونجم ابنه بعد غلاما وضيّا ، ومركبا - زعموا - وطيّا ، وكانت لمن اعتنى يومئذ بالغلمان فتنة ، حتى كان يقال إنّه وإنّه ، فقلّد أزمّة الأعمال ، وخلّي بينه وبين أثباج الأموال ، وأوطأ عقبه جماهير الرّجال ، وجرى به طلق الجموح ، مهوّنا فيه مأثور القبيح ، فنأى بجانبه ، وأعرض عن ذكر عواقبه ، حتى كان يغسل يده من القبل ، ويتمدّح بالطعن على الملل ؛ ألّف كتابا في الرّد على الفقيه أبي محمد بن حزم المتقدّم الذّكر ، وجاهر بالكلام ، في الطعن على ملّة الإسلام ، فما دفع عن ذلك بتأنيب ، ولا أستطيع تغييره عليه إلّا بالقلوب ؛ قد نصبه [ 3 ] مكانه من السلطان غيظا للأحرار ، وحمة [ 4 ] على الليل والنهار . واليهود مع ذلك تتشاءم باسمه ، وتتظلّم من جور حكمه ، على ما كان قد رضخ لهم من الحطام ، ووطّأ لهم من / مراكب الأمور العظام ، وهو مع ذلك متماد في غلوائه ، غافل عن عادة اللّه في نظرائه . فغصب يهود أحكامها ، وذلّل أعلامها ، وتسمّى من خططهم الشرعيّة بالناغيد [ 5 ] ، معناه المدبّر بالعربية [ 6 ] ، خطّة تحاماها قدماؤهم ، وتطأطأ عنها قديما زعماؤهم ، اجترأ هو عليها بوهي أسّه ، وقلّة نظره لنفسه . وأمّا ما بلغ من المنزلة عند صاحبه وغلبته عليه فما لا شيء فوقه .
أخبرني من رآه يساير صاحبه بساحة قرطبة في بعض قدماته عليها لبعض تلك الشؤون المضلّة ، والفتن المصمئلة [ 7 ] ، قال المحدّث : فرأيته مع باديس ، فلم أفرق بين الرئيس والمرءوس ، فأنشدت : « تشابهت المناكب والرؤوس » [ 8 ] .
هامش
[ 1 ] ط : المأبون .
[ 2 ] م : على كل دين .
[ 3 ] م : نصب .
[ 4 ] م : وحجة .
[ 5 ] ط : بالناغير .
[ 6 ] م : عندهم .
[ 7 ] م : المذهلة .
[ 8 ] من قول أعرابي يهجو بني جوين :إذا ما قلت أيهم لأي * تشابهت المناكب والرؤوسانظر فصل المقال : 196 - 197 ، وعيون الأخبار 2 : 2 .