يوصي [ 1 ] بشأنه ، وقد غلب على أكثر يده ولسانه ، ومعسكر أمير المسلمين يومئذ بحيث نعدّ خيماتهم ، ونسمع اختلاط أصواتهم ، إذ سمع وجبة من وجباتهم ، فقال : لا إله إلّا اللّه ، نغّص علينا كلّ شيء حتى الموت ! قالت أروى : فدمعت عيني ، فلا أنسى طرفا إليّ يرفعه ، وإنشاده إيّاي بصوت لا أكاد أسمعه :
ترفّق بدمعك لا تفنه * فبين يديك بكاء طويل
وكان فيما أوصى به إلى ابنه الّذي كان رشّحه لسلطانه [ 2 ] ، وبوّأه صدر إيوانه ، ولقّبه من الألقاب السلطانيّة بالواثق باللّه ، أن قال له : يا بنيّ إنّ ابن عبّاد معنى السّريرة ، وشيخ هذه الجزيرة ، فساعة يبلغك عنه شيء فأخف صوتك ، وانج وليتك .
فلمّا فار التّنور ، وبطلت تلك الأساطير ، وسقط عليه بخبر ابن عبّاد الخبير ، باع ذروة الملك ، بصهوة الفلك ، واعتاض عن مناسمة الرّوح والرّيحان ، بمزاحمة الشّراع والسّكّان ، ومن سماع نغم المزامير والأوتار ، بالتّصامم عن صخب تلك الأثباج والغمار .
وخلّى أهل المريّة بينه وبين شأنه رعيا للذّمام ، ومكافأة عن سالف أياديه الجسام ، وسخّر له البحر فنجا ولم يعلقه شرك ، ولا رجع عليه درك [ 3 ] .
ولأبي يحيى ابن صمادح :
وتحت الغلائل معنى غريب * شفاء الغليل وبرء العليل
فهل لي من نيله نائل * ولابن السّبيل إليه سبيل
فما لي إلّا الهوى متجر * فغير الغواني متاع قليل
فيا ربّة الحسن في غاية * وعصر الشّباب وظلّ المقيل
ذريني أعانق منك القضيب * وأرشف من ثغرك السلسبيل
وكتب إليه النحلي [ 4 ] :
هامش
[ 1 ] ب م : يوصيني .
[ 2 ] هو ابنه معز الدولة أحمد ، وقد عهد إليه أبوه أن يلحق ببلاد ابن حماد إذا هو سمع بخلع ابن عباد على يد المرابطين ، فلما حدث ذلك ، غادر المرية في رمضان وقيل شعبان سنة 484 وقصد بجاية فأنزله المنصور بن الناصر بن علناس في كنفه ( الحلة السيراء 2 : 89 - 90 ) .
[ 3 ] عند هذا الحد تنتهي الترجمة في ط ؛ ويبدو أن ما ألحق بعد ذلك إنما هو دخيل على الذخيرة ، فهو مأخوذ عن القلائد والمطمح .
[ 4 ] انظر : الحلة السيراء 2 : 88 ، والقلائد : 48 ، والمغرب 2 : 197 ، وكانت المناسبة أن دخل النحلي المرية