تجمّله [ 1 ] ، فلم يلبث أن تفرّجت [ 2 ] الحال بينهما بعد مضيّ سليمان ، وتحاربا على ملك وشقة ، فعجز ابن صمادح عن منذر لكثرة جمعه ، وأسلم له البلد وفرّ بنفسه ، فلم يبق له بالثّغر متعلّق ، وكان أوّل ساقط من الثّوّار ، لم يتملّ سلطانه ولا أورثه من بعده .
وكان أبو يحيى هذا رجل الثّغر رأيا ومعرفة ، ودهيا ولسانا وعارضة ؛ ولم يكن في أصحاب السيوف من يعدله في خلاله هذه - من رجل محروم ، يقارنه الشّؤم ، ويقعد به النّكد واللؤم . وكان يحمل قطعة صالحة من الأدب ينال بها حاجته مخاطبا ومذكرا ، وكان لا يزال يسمو إلى طلب الدّنيا والحرص عليها في أكثر حركاته ، فيقعد به جدّه ، وينكسه زمانه ، إلى أن أخنى عليه - حسبما ذكرناه .
وأمّا معن ابنه [ 3 ] ذو الغدرة الصّلعاء [ 4 ] ، فإنّه لما قتل زهير فتى ابن أبي عامر صاحب المريّة ، وصارت لعبد العزيز بن أبي عامر واستضافها [ 5 ] إلى بلدة بلنسية ، واستمد بما ورثه من تلاد الفتيان العامريين موالي جدّه ، / حسده على ذلك مجاهد صاحب دانية ، وأظلم الأفق بينهما ، فخرج مجاهد غازيا إلى بلاد عبد العزيز ، وهو بالمريّة مشتغل في تركة زهير ، فخرج مبادرا عنها لاستصلاح [ 6 ] مجاهد ، واستخلف فيها صهره ووزيره معن بن صمادح ، فكان شرّ خليفة استخلف ، لم يكد يواري وجهه عبد العزيز عنه حتى عمل بالغدر به والتمهيد لنفسه عند رعيته ، فخانه الأمانة ، وطرده عن الإمارة ، ونصب له الحرب ، فغرّب في اللؤم ما شاء ؛ وتنكّب التوفيق ابن أبي عامر لاسترعائه الذئب الأزلّ على ثلّته ، ومسترعي الذّئب أظلم ، وسرّ اللّه في خليقته لا يظهر أحدا عليه ؛ وكان من العجب أن تملّاها [ 7 ] ابن صمادح مدّته ، وخلّفها ميراثا في عقبه .
ثم أفضى الأمر من بعده إلى ابنه أبي يحيى محمد بن معن ، وصار من العجائب أن ارتقى ذروة الإمارة ، وتلقّب من الأسماء الخلافيّة بالمعتصم ، والرشيد لم يلده ، وهو يعلم
هامش
[ 1 ] البيان : جملة .
[ 2 ] البيان : تقبحت ؛ وأراه استعمل « تفرجت » بمعنى : انكشفت وتوضح منها ما كان مستورا ، أو لعلها : « تمرجت » بمعنى فسدت .
[ 3 ] ب م : أبوه .
[ 4 ] ب م : الشنعاء .
[ 5 ] ب م ط : واستضافت .
[ 6 ] ب م : لإصلاح .
[ 7 ] ب م : تملكها .