تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
عبادة وابن الشّهيد وغيرهم ممّن لم يعلق بسواه سببا ، ولا شدّ إلى غير ذراه كورا ولا قتبا . وقد كانت بينه وبين حلفائه من ملوك الطوائف في الجزيرة ، فتون مبيرة ، غلبوه عليها ، وأخرجوه من سجيّته مكرها إليها ، لم يكن مكانه منها بمكين ، ولا صبحه فيها بمبين . وقد اندرجت له ولهم في تضاعيف هذا التّصنيف قصص تضيق عنها الأيام ، وتتبرأ منها القراطيس والأقلام . ولمّا أهابوا بأمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين ، رحمه اللّه ، دخل ابن صمادح في غمارهم ، ومشى على آثارهم ، فخرج عن المريّة إلى بييط [ 1 ] يجرّ جيشا ، لا تتأيّا الطير غدوته [ 2 ] ، ولا يتوقّع العدوّ وطأته :
ولمّا رأت ركب النميريّ أعرضت * وكنّ من أن يلقينه حذرات [ 3 ]
فألفى بها أمير المسلمين قد وضع قدمه على صلعتها ، وضرب [ 4 ] أبنيته / بين جوزائها وهقعتها ، وتمكّن من قيادها ، وألقت إليه بأفلاذ أكبادها ، لولا أجل محتوم ، وتخاذل من ملوك الطوائف بالأندلس معلوم ؛ فعرض ابن صمادح نفسه عليه ، ومثل بين يديه ، فتلقّاه أمير المسلمين ، رحمه اللّه ، بجميل نظره ، وبوّأه جانبا من معسكره ؛ فكان كالقريّ أفضى إلى البحر ، أو الكوكب الدّريّ غرق في لجّة الفجر ؛ وسيأتي الخبر عن ذلك مشروحا في أخبار محمد بن عبّاد المخلوع ، بموضعه من هذا المجموع [ 5 ] . وائتسى ابن صمادح به مجاهرا بالعصيان ، وأبدى صفحة الشّنآن ، فوافيا نكبتهما كفرسي رهان ؛ غير أنّ ابن صمادح كانت بينه وبين اللّه سريرة ، أو سلفت له عند الحمام يد مشكورة ، مات وليس بينه وبين حلول الفاقرة به إلّا أيّام يسيرة ، في سلطانه وبلده ، وبين أهله وولده . حدّثني من لا أردّ خبره عن أروى بعض مسانّ حظايا أبيه قالت : إني لعنده وهو
هامش
[ 1 ] في النسخ : لبيط ؛ وقد تكتب ألييط وهي( odeila )حصن بين لورقة ومرسية . [ 2 ] من قول أبي نواس :تتأيا الطير غدوته * ثقة بالشبع من جزره[ 3 ] البيت لمحمد بن عبد اللّه بن نمير النميري الثقفي وكان من شعراء الدولة الأموية يهوى زينب أخت الحجاج ، انظر : الأغاني 6 : 180 - 197 في أخباره ؛ والبيت ص : 183 ، وفي الأغاني : 153 . [ 4 ] ب م ط : واضطرب . [ 5 ] موضعه القسم الثاني من الذخيرة .