وإذا شئت نفحك ذكاء لا تخبو ناره ، ولا تنبو شفاره [ 1 ] ، وبهرك مضاء لا تطيش سهامه ، ولا تخفق أزلامه ، وإن كنت على زعمك عودا لا يقلح [ 2 ] ، فالحديد بالحديد يفلح [ 3 ] .
وفي فصل : فتحقّق أني مكدّر [ 4 ] الشموس التي تكسفها ، ومغوّر / البحار التي تنزفها ، وأنا أخلع عليك حظّي من الفهم الأدبيّ والعلم الشعريّ ، ولم اجعلهما غرضا ، فلم ألمحهما [ 5 ] إلّا عرضا ؛ وكذلك أناقض زهوك ، وأخالف بأوك ، وأعترف لتعدّيك ، لعلّي أرضيك . وإني لا أضرب بسهم في فهم ، ولا أختصّ بقسم في علم ، ولا آخذ بحظّ في لفظ ، ولا ألمّ بمغنى لمعنى ، ضيّق العطن في الفطن ، عالم باضمحلال خيالي ، ونضوب أوشالي ، منقطع الرّجاء عن تثنية واحدتك ، وتقفية قافيتك ، واعتراض عروضك . وللّه أنت ! لقد أغربت بعنقائك ، [ وبرّزت ] ببلقائك ، فلا داحس لغبرائك ، ولا مباري لغرّائك . إلّا أنّ الحسناء لا تعدم ذاما [ 6 ] ، وبليق مع جريه لا يفقد ملاما [ 7 ] ؛ فكم نديّ قضى منتدوه ، وحكم مشاهدوه ، أن يتيمتك هذه منحلّة [ 8 ] من إحدى بناتي ، وحقيقتك منتخلة من بعض خيالاتي . وزعموا أنّك في لواحبها [ 9 ] سلكت ، وعلى قوالبها سبكت ، وما زدت على أن مسخت راءها نونا ، وصيّرت أبكارها عونا . ومن الظّلم الجمّ أن تجعل نصري خذلانا ، وعضدي عدوانا ؛ وكلّ سمع قولي : إنّ بحر الوزير أزخر من أن يستمدّ بجزري ، وعلمه أوفر [ 10 ] من أن يستكثر بنزري ، وفضله أبرع من أن يختلس من حلاي ، وشمسه أرفع من أن تقتبس من سهاي ؛ والاتّفاق غير نكير ، فقد جرى لهمّام
هامش
[ 1 ] ط : أشفاره .
[ 2 ] يقال في المثل : « عود يقلح » ، يضرب للمسن يؤدب ، والقلح : صفرة تركب الأسنان ، والتقليح هو نزعه وتنقيته ؛ انظر : العسكري 2 : 39 ( تحقيق أبو الفضل ) ، والميداني 1 : 309 .
[ 3 ] انظر المثل : « الحديد بالحديد يفلح » في فصل المقال : 134 ، والميداني 1 : 8 ، والعسكري 1 : 229 .
[ 4 ] ب م : مكور .
[ 5 ] ب م : ألمحها .
[ 6 ] انظر المثل في فصل المقال : 42 ، والميداني 2 : 109 ، والعسكري 2 : 273 .
[ 7 ] بليق : اسم فرس ، وفي المثل : « يجري بليق ويذم » يضرب للرجل يجتهد ثم يلام ؛ انظر : اللسان ( بلق ) ، والعسكري 2 : 24 ، والميداني 2 : 249 .
[ 8 ] ب م : منخلة .
[ 9 ] اللواحب : جمع لاحب وهي الطريق الواضحة .
[ 10 ] ط : أمتن .