وأبعد منّا [ 1 ] نجواه - إلّا ليطيش بأناتك ، ويجيش من هناتك ، والنّيق لا يهتزّ لخريق [ 2 ] ، والهشيم لا يثبت لنسيم .
وفي فصل : ومطلعنا من أفق ، ومرجعنا إلى تحقّق ؛ وإن كانت / أيدي الفتن قد أزعجت اسلافنا عن الوطن ، واغتصبت [ 3 ] أملاكنا إلّا أسماء ، واستلبت جماهيرنا إلّا اللّفاء ، فقد أعذرت إذ أبقت بأيدينا ما أبقى مياه الصّون بزرقتها وجمامها ، وزهرات السّرو في غضارتها وكمامها . ولم أمتدح المعتصم طالب جدى ، ولا راغب ندى ؛ على أنّ جميعنا رائد في رياض إنعامه ، ووارد في حياض إكرامه ؛ ولكنّي منيت بقردة حسدة ، أعجزتهم محاكاتي ، وأعوزتهم محاذاتي ، فوخزوا فضلي بمثل الأشافي ، ورموا عرضي بثالثة الأثافي .
وفي فصل : ولو أنّي من هذه الفرقة التي مزجني بها ظلمك ، وضمّني إليها هضمك ، وعملت عملهم على حكمك ، وسلكت سبلهم [ 4 ] على زعمك ، لكان لي في تشبّثك الدّانيّ ، وتعلّقك المجاهديّ ، أسنى مؤتسى ، وأهدى مقتدى . فللتّسامي مناقل ، وللتّرقي منازل ؛ وإن جمعتني بهم الصّفات ، فقد أفردتني منهم الموصوفات ، وما كلّ بيضاء شحمة ، ولا كلّ سوداء تمرة :
قد يبعد الشيء من شيء يشابهه * إنّ السّماء نظير الماء في الزّرق
وما كلّ معنى يضح ، ولا كلّ دعوى تصحّ ، كمثل ما تابعت إيراده ، وشفعت ترداده ، من أنّك غرستني وبنيتني [ 5 ] ، وأقمتني وقوّمتني ، وكلها عبارة تؤلم الأبيّ الحميّ ، واستعارة توهم السّامع الشّاسع ، وإشارة تعجب الحاضر النّاظر . ولست بمنكر معاضدتك في شأن الكتابين / الكريمين ، فهما وسميّك ووليّك ، المكتوبان بزعمك على وجه صباحك ، والموصولان بأجنحة رياحك . ولن تعدم [ 6 ] على ذلك جزيل حمدي هنالك .
وحاشا للّه [ أن ] أنكر اليد وإن صغرت ، أو أكفر النّعمة [ 7 ] وإن نزرت ؛ ولست بحيّة صمّاء
هامش
[ 1 ] ب م : منك .
[ 2 ] النيق : أرفع موضع في الجبل ؛ الخريق : الريح الشديدة ؛ وفي ب م : لحريق .
[ 3 ] ب م ط : واعتصبت .
[ 4 ] ب م : سبيلهم .
[ 5 ] ط : ونبهتني .
[ 6 ] ب م : ولم تعدم .
[ 7 ] ب م : المنة .