وأصل أبي عبد اللّه من وادي آش إلّا أنه استوطن المريّة أكثر عمره ، وفي بني صمادح معظم شعره ، ومع ذلك طولب عندهم هنالك [ 1 ] ؛ ولحق بثغر بني هود ، وله فيهم أيضا غير ما قصيد [ 2 ] ، وهو القائل بعد خروجه من المريّة من قطعة فلسفيّة [ 3 ] :
لزمت قناعتي وقعدت عنهم * فلست أرى الوزير ولا الأميرا
وكنت سمير أشعاري سفاها * فعدت لفلسفيّاتي سميرا
وكان أبو عبد اللّه قد مني في صباه بصبيّة نصرانيّة ، ذهبت بلبّه كلّ مذهب ، وركب إليها أصعب مركب ، فصرف نحوها وجه رضاه ، وحكّمها في رأيه وهواه ؛ وكان يسمّيها « نويرة » كما فعله الشّعراء الظّرفاء قديما في الكناية عمّن أحبّوه ، وتغيير اسم من علقوه .
وقد كتبت في هذا الفصل بعض ما قال فيها من ملحه ، ورائق أوصافه ومدحه ، وسائر شعره بعد تقديم فصول من نثره ، ما يقرّ بتفضيله ، ويشهد له بجملة الإحسان وتفصيله .
جملة من نثره
فصل له من جواب عن كتاب عتاب استفتحه [ 4 ] من قول أبي الطيّب [ 5 ] :
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدّق ما يعتاده من توهّم
وعادى محبّيه بقول عداته * وأصبح في ليل من الشّك [ 6 ] مظلم
لما كان - أعزّك اللّه - العتاب [ 7 ] جلاء الأقذاء ، وصقال الأصداء ، وعقال الأدواء [ 8 ] ،
هامش
[ 1 ] شرح ابن عبد الملك هذه المطالبة ، وذلك أن أخا ابن الحداد قتل رجلا فقبض عليه ، ونالت الشاعر بسببه مطالبة أخفى نفسه من أجلها حينا ، ففصل إلى مرسية ونفذ منها إلى سرقسطة سنة 461 .
[ 2 ] أقام ابن الحداد في كنف المقتدر أحمد بن هود مدة وامتدحه وامتدح ابنه الحاجب المؤتمن ثم عاد إلى المرية سنة 461 .
[ 3 ] انظر : نفح الطيب 3 : 502 ، والمحمدون : 99 .
[ 4 ] ب م : افتتحه بقول .
[ 5 ] ديوان المتنبي : 456 .
[ 6 ] ب م : قطع من الليل .
[ 7 ] ط : الكتاب .
[ 8 ] ب م : الأوداء .