لا ذنب لي غير أنّي * مؤذّن بدويّ
فرقّت له أنفس القوم ، وأقبلوا على صاحب المنزل باللوم ، فقال : ويحكم ، إنّ هذا الديك ذو فخذ وصدرة ، وقد أصابتني عليه ضجرة ؛ ولي في ذبحه سرّ ، ولا بدّ أن تزيّن به قدر ، وتضرم تحته النّيران ، ويشبع من لحمه الضّيفان [ 1 ] ؛ أما ترونه قرّة العين والقلوب ، سبيكة لجين محكمة التّذهيب ؟ وتمثّل :
ومن [ 2 ] شيمتي مهما تزيّن منزلي * بضيف أن أقريه بأحسن ما عندي
لو انّ دمي خمر لروّيته به * ولو صلحت كبدي شويت له كبدي
بذلك أوصاني أبي مذ عقلته * وقد كان أوصاه بذا قبله جدّي
فقال الدّيك : لا أكذب ، الحقّ طريق مستبين ، واتّباعه مروءة ودين ؛ أما إنّه لعلى خلق عظيم ، كريم ابن كريم ؛ غير أنّه لؤم في أمري وأفرط ، وغلط ما شاء أن يغلط . أما علم أنّ هرمات الديوك ، ليست من مطاعم الملوك ، وأنّها بالأدوية ، أشبه منها بالأغذية ؟ ! وأقسم لو اتّخذ برمة من فؤاد مهجور ، ووضعني من مثله على تنّور ، لا قضى بي حاجة ، ولا عدم منّي نيوءا وفجاجة [ 3 ] ؛ وإنّ له في بنيّ ما لا يجده / فيّ ، من طيب المشمّ ، ولذّة المطعم ، والتّوليد لأحمر ما يكون من الدّم . وأنّى [ 4 ] كالفرّوج اسفيدباجا [ 5 ] ، لمن أراد أن يعدل مزاجا ؟ فزكّى قوله ، كلّ من حوله ، لم يألوه تعظيما ، واتّخذوه من ذلك اليوم حكيما . وصرف البدويّ من ألطافه ، ما أحسن به قرى أضيافه ؛ وختم نوبة برّه ، بالرغبة في بسط عذره ، فسمعنا منه ، ورحلنا سحرا عنه .
وفي فصل منها [ 6 ] : ولم تزل الجياد تمعج [ 7 ] بكماتها ، والشّمس تنتقل في درجاتها ؛ حتى أشرفنا على عين كالدّينار ، كأنما هندست بالبركار ، ذات ماء ريّان من الشّنب والخصر ، وحصباء كالأسنان ذوات الأشر ؛ وقد حفّ بها النّبات
هامش
[ 1 ] ط : الصبيان .
[ 2 ] ب م : من .
[ 3 ] ب م : مجاجة .
[ 4 ] ب م : وأين .
[ 5 ] الاسفيدباج : تفايا بيضاء ساذجة ، وهي إذا كانت من لحم الضأن تقطع قطعا صغيرة وتخلط ببعض التوابل واللوز المقشر ، وتنضج على نار لينة ( كتاب الطبيخ : 85 ) .
[ 6 ] مسالك الأبصار 13 : 56 .
[ 7 ] المسالك : تنعج .