تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
من الربيع [ 1 ] وقت حلول الشمس في الحمل ، وقام وزن الزمان واعتدل ، وأخذ آذار على ما اعتاد ، فحلّى الوهاد والنّجاد [ 2 ] ، وخلع على ظهور المروج ، ضروب الدبابيج [ 3 ] ، وأثقل صدور الأشجار ، بحلى النّوّار ، واطّبى نفوس الأطيار ، بنضارة الثّمار ، فبعثت أشجانها ، ترجع ألحانها ، فما شئت من رمّان تملأ [ 4 ] كفّ العميد ، من أمثال النّهود ، تحت القلائد والعقود ، وتفتق عن أمثال الجمر ، إن وصفت فكاللّثات الحمر ، أو ارتشفت فكالرّضاب الخصر أو الخمر . ولما انتظمت للزّمان هذه المحاسن ، حنّت نفس الفقيه بسيادتها ، إلى كرم عادتها ، من الإحسان إلى الأتباع ، والتسلية لنفوس الألّاف والأشياع ؛ فلمّا صعق [ 5 ] الدّيك وصاح [ 6 ] ، واستغفر كلّ عبد منيب ربّه وسبّح ، وهمّ بشنّ الغارة كمين الصبح من المشرق ، واهتزّ الفجر اهتزاز الرّمح في يمين الأفق ، أطلق لسانه الفصيح ، بالتّهليل والتّسبيح ، ثم دعا بماء طهور ، وأفرغه نورا على نور ، فوضّأ وجها وضّاء ، يملأ العيون بهجة وسناء . وفي فصل منها : وملنا إلى منزل بدويّ ، ذي هيئة وزيّ :
له منزل رحب عريض مزرّب * بأعواد بلّوط وطوج مفتّل [ 7 ] « ترى بعر الآرام في عرصاته * وقيعانه كأنّه حبّ فلفل »
فهشّ وبشّ ، وكنس منزله ورشّ ، وصيّر عياله إلى ناحية ، وجمع أطفاله في زاوية ، وجعل يدور كالخذروف أمام الصّفوف ، يتلقّى الواحد منا بعد الواحد ، يأخذ بركابه ، ويكشر عن نابه ، ويتمثل :
أخذي كذا بركاب الضّيف أنزله * ألذّ عندي من الإسفنج [ 8 ] بالعسل
هامش
[ 1 ] ب م : البديع . [ 2 ] ب م : الأوهاد والأنجاد . [ 3 ] ب م : الديباج . [ 4 ] ب م : تملأ . [ 5 ] ب م : صعق : أتى بصوت شديد ، والأشهر أن يقال في حال الديك : « صقع » ؛ وفي ب م : صفق ، وهي قراءة جيدة ، وسيكرر الكاتب « صفق وصرخ » في المقامة الآتية في حديثه عن الديك . [ 6 ] ط : وصرخ . [ 7 ] مزرب : محاط بزرائب أو أسوجة ؛ الطوج : الحلفاء( mutraps ). [ 8 ] الإسفنج : عجين لدن راب بالتخمير ، يلقى في الزيت ويعرك بالبيض ثم يحشى بالجوز أو ما أشبه ( شبيه بالقطائف المشرقية ) انظر : كتاب الطبيخ : 88 .