وله من مقامة حذفت بعض فصولها لطولها
قال في صدرها [ 1 ] : إنّ صناعة [ 2 ] الكتابة محنة من المحن ، ومهنة من المهن ؛ والسعيد من خدمت دولة إقباله ، والشقيّ من كانت رأس ماله ، والعاقل من إذا أخرجها من مثالبه لم يدخلها في مناقبه ، لا سيّما وقد تناولها [ يد ] كثير من السّوق ، وباعوها بيع الخلق ؛ فسلبوها تاج بهائها ، ورداء كبريائها ، وصيّروها صناعة يكاد الكريم لا يعيرها لحظه ، ولا يفرغ في قالبها لفظه ؛ إذ الحظّ أن يعثر الكرام إذا ولي الأعلاج ، وأن تستنعج الآساد إذا استأسدت النّعاج . غير أنّه من وسم بسمتها ، / وظهر في وسمتها ، فغير مجهول مكانه ، ولا مسلّم له كتمانه . وما عسى أن يصنع بذي مكانة وحسب ، إذا اتّفق يوم سرور وطرب ؛ ورغب رغبة كريم ، أن يؤرّخ له بمنثور ومنظوم ؟ أقسم لو كان وجه الإنسان [ 3 ] في صفاقة نعله ، أو وقاحة حافر بغله ، لما وسعه غير الإسعاف ، على حكم الإنصاف وإلّا لزمه اسم التّبريد والجمود . وبهذا السبب دفعنا إلى النّصب فيما تسمعه ، وربما تستبدعه [ 4 ] . ولئن مرت بك كلمات محاليّات ، تنظمها سلوك هزليّات ، فإنما هي أوصاف طابقت موصوفاتها ، وحلى على أقدار محلّياتها . والبليغ كالجوهري واجد التّعب ، في نظم الدرّ أو المخشلب ، وكالصّائغ [ 5 ] واجد العناء ، في سبك الصّفر أو المكّاء . والعاقل من برز يوم السّرور في زيّ الأعياد ، ويوم الحزن في ثياب الحداد ؛ وسيّان في الفجاجة والبرد ، من جدّ عند الهزل أو هزل عند الجدّ ، ولا أوضح في القياس ، من حركات النّاس ، كحركات الشموس والأقمار ، في الفلك الدوّار ، كلّما انتقلت في المنازل والبروج ، عدّلت بالأسطرلاب والزّيج ، ووقف على حقائقها ، بثوانيها ودقائقها ، محصورة بالحدود ، في القريب والبعيد ، كحركات الفقيه ابن الحديد ، فإنّ أيامه على مناكب الأيّام أردية شباب ، وفي مفارقها تيجان نخوة وإعجاب .
وفي فصل منها : فدونكها عذراء ، محجّلة غرّاء ، كما رفع عنها سجف الإبداع ، وأبرزت من كناس الاختراع ؛ تنظر بعين الغزال روّع ، وأويس / بعد ما أطمع . نعم ، اتّفق
هامش
[ 1 ] مسالك الأبصار 13 : 56 .
[ 2 ] ط : صنعة .
[ 3 ] ط : وجهه .
[ 4 ] ط : تستبرعه .
[ 5 ] ط : وكالصانع .