دوائرك فإنّي لا أعبأ [ 1 ] بك ! ؟ قد علمت علّته ؛ أقسم لو أنّ به ألف علّة ، تكون حياته من جميعها مختلّة [ 2 ] ، لينفذنّ هذا الكتاب . قالت له الخادم : ويحك ما أجفاك من وافد الأزد ! أين منك رقّة الحجاز وفصاحة نجد ؟ ما أقبح هذا العقوق ، بمن شرب ماء العقيق ، وأسوأ هذا الأدب ، ممّن ينتهي إلى ذؤابة العرب ! فقال : يا لكعاء ، إنك لتجادلينني عن نسبي ؟ وحياة ما نقلته من الخطى [ 3 ] ، وتجشّمته من البيداء [ 4 ] ، لينفذنّ هذا الكتاب ، أو لأشهدنّ عليه [ 5 ] بالعصيان والتكاسل ، والتواني والتثاقل ؛ فمثلي لا يرد إلّا بحزم [ 6 ] ، ولا يصدر إلّا عن فضل . فقالت له الخادم : ما أسوأ تقديرك للأمور ! لئن كان مخمورا خمار وصب ، فهؤلاء الشهود معهم شرب ، وعندهم طرب ، وصاحب المدينة منه بنسب ، وعلى صلة سبب ، فأين تذهب [ 7 ] ؟ فشمخ بأنفه ، / وكسر من طرفه ، ومدد الزّفرة ، وردّد التلهف [ 8 ] والحسرة ، ثم قال : أف للدّنيا فما تزال تعنّينا بمثل هذه الهنات . فلمّا شدّ على شسعه للانصراف أقبل على الخادم فقال :
قفي قبل التّفرّق يا ضباعا * ولا يك موقف منك الوداعا [ 9 ]
أما إنك لولا أن تكوني باهليّة الضّئضئ لعرفتك . ولكن سأودع [ 10 ] عندك أرجى يدلّ على موقفي في هذه البحبوحة . أنا العتكيّ الحسب والنّسب ، وذو الهمّة والأدب ، فمن سألك فقولي ما [ 11 ] شهدت ، وحدّثي عمّا عاينت ، وما أراك تجدين ظاهرا تقيمين به فرض الثناء عليّ ؛ اذهبي لا محفوظة ولا مكلوءة . ثم انحدر فما علمنا ما كان منه .
هامش
[ 1 ] المسالك : أعلم .
[ 2 ] ط : مختلفة .
[ 3 ] المسالك : الخبر .
[ 4 ] ط : الندا ؛ ب : البدا ( اقرأ : البذا ) ، وفي المسالك : الخطر .
[ 5 ] ط : عليك .
[ 6 ] المسالك : لا يحرد إلا بحرم .
[ 7 ] المسالك : يذهب .
[ 8 ] المسالك : وتمدد . . . وتردد في التلهف .
[ 9 ] البيت للقطامي ، ديوانه : 31 .
[ 10 ] ب م : سأدع .
[ 11 ] المسالك : بما .