تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
/ وحكى [ 1 ] خادم لباديس قال : رأيت جسد ابن عبّاس ثاني يوم قتل ، ثمّ قال لي باديس : خذ رأسه وواره مع جسده . فنبشت صداه [ 2 ] وأضفته إلى جسده بجنب [ 3 ] قبر أبي الفتوح قتيل باديس أيضا . وقال لي : ضع عدوّا إلى جنب عدوّ إلى يوم القصاص . وحكي أن باديس وبلقين أخاه إذ طعنا يومئذ أحمد بن عباس ما وقع إلّا عن سبع عشرة طعنة ، وإنه لباقي الذّماء طلق اللسان طامع في الحياة ، فعجبا من قوة نفسه ، وكان الظن أن يلفظها لأوّل طعنة ، لفرط ترفهه وغضارة جسمه ، فاغتاظ باديس عند ذلك وأمر بقطع جسمه . وحدّثت من غير وجه أنّ ابن عبّاس كان قد أولع قبل محنته ببيت من الشّعر صيّره هجّيراه أوقات لعبه للشّطرنج ، أو معنى يسنح له ، مستطيلا بجدّه ، ومكافيا بسعده ، فيقول :
عيون الحوادث عنّي نيام * وهضمي على الدهر شيء حرام
وذاع بيته هذا في الناس وغاظهم حتى قلب له مصراعه الأخير بعض الأدباء فقال : « سيوقظنا قدر لا ينام » . فما كان إلّا « كلا » حتى تنبّهت الحوادث لهضمه انتباهة انتزعت منه نخوته وعزّته ، وغادرته أسيرا ذليلا يرسف في وزن أربعين [ 4 ] من قيده ، منزعجا من عضّه لساقه البضّة ، التي طالما تألّمت من ضغطة جوربه - غبّ يوم أصبح فيه أميرا / مطاعا ، أعتى خلق اللّه على عباده ، وآمنهم لمكر ربّه ؛ فأخذه أخذ مليك مقتدر ، وسلبه نعمة لم يكن لها كفؤا ، واللّه غالب على أمره . وحكي [ 5 ] عنه أنّه نزل في بعض سفره منزلا ، واستدعى ماء لغسل رجليه ، إثر خلعه لخفّيه ، فقدّم إليه ربّ المنزل الماء ، وكانت عليه جبة أسماط ، فمرّ أسفلها بقدم أحمد فتألم وتأوّه لخروشتها ، وكأنّ شيئا لدغه ، [ تماجنا ] ، وقال : ابعد يا هذا فقد بردت رجلي بجبّتك ، إنما هي اسكلفاج وليست بساج ! فخجل الرجل وأخذ في طرف من الاعتذار . وأخباره في الكبر غريبة شائعة جدا .
هامش
[ 1 ] انظر الإحاطة 1 : 270 . [ 2 ] ب م : عن صداه ؛ الإحاطة : فنبشت قبره . [ 3 ] ط : بحيث . [ 4 ] الإحاطة ( 269 ) : أربعين رطلا . [ 5 ] ورد هذا الخبر مقدما في ب م على سابقه .