تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
من رجل كان يطوف في مقاصيره - زعموا - على خمسمائة من مثمّنات القيان ، وربما لم يكن حظّ الحسناء منهنّ عنده غير لدغة العضّة ، ثم لا يعود الدّهر إليها ، واتّهم على ذلك [ 1 ] بعهر الخلوة للذي شهر به من قلّة الجماع ، إلى بخل لا كفاء له بالخبز فما فوقه ، يحمل الناس عنه في ذلك أحاديث شائعة ، من أحضرها ما حكاه لي الوزير أبو الوليد بن زيدون ، عن ابن الباجي كاتب الرسائل قال : دعاني ابن عبّاس يوما مع خواصّ أصحابه إلى داره ، فصرنا في مجلس ناهيك به ، متشاكل الحسن [ 2 ] في فرشه وستوره وآلته وآنيته ، قد صفّفت [ 3 ] فيه فواكه غريبة وأنقال ملوكيّة على طوله ، ما وقعت عيني قطّ على أكثر منها ولا أغرب من أجناسها ، / ولا أنفس من أطباقها ، وقد غطّي جميعها بمناديل شرب تبين صورها من تحتها فتصور الأعين والقلوب إليها . فأخذ يلاعبنا بالشّطرنج التي كانت أغلب الشهوات عليه ، فاستغرق فيها ولها عن سائر ما أرادنا له ، ووصل اللّعب نهاره كلّه وبعض ليلته ، لا يرفع رأسه ولا يدعو لنا بطعام ولا غيره ، إلى أن جعنا وألححنا عليه في الانصراف إلى منازلنا ، فبعد لأي أذن لنا . فانصرفنا ولم نرزأه شيئا مما كان أعدّ لنا ، ولا اعتذر إلينا ، ولا منّا إلّا من أسي على ما حرمنا من نعيم ما بين يديه ، وتعجّب من قحته وبخله واستخفافه بمن دعاه . ومن صلف ابن عباس وعجبه [ 4 ] الذي صحبه إلى يوم محنته أنّه لما قيد إلى باديس أسيرا فوقعت عينه عليه ، بدأه أحمد بالابتسام وقال له : أبا مناد ! رأيت أيّ كأس أدرتها لك على هؤلاء الكلاب ؟ ! - يشير إلى الموالي العامريّين - أريد أن تتقدّم إلى حفظ دفاتري فإنها أهمّ ما عليّ . فتجهّم له باديس وقال : أمكرا عند الموت يا ابن الفاعلة ؟ إيّاي تغالط ! وأمر بتلّه إلى محبسه . فعند ذلك عرف ما يراد به ، ويئس من المغالطة في جرمه . قال أبو مروان : وبلغني أنّ عبد العزيز بن أبي عامر سعى على دمه ودماء المأسورين معه من أصحاب زهير عند باديس ، لما حصل على المريّة ، وخاف أن يتخلّص فيكدّرها عليه ، وإن آكد ما أشخص به أبا الأحوص ابن صمادح يومئذ لباديس خبر ابن عبّاس ، فقتله انصراف ابن صمادح عنه .
هامش
[ 1 ] ط : لذلك . [ 2 ] ب م : مشاكل الجنس . [ 3 ] ب م : صنفت . [ 4 ] ط : ومن صلفه .