تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
الخلقة ، كلفا بالأدب [ 1 ] ، مؤثرا له على سائر لذّاته ، جمّاعا للدفاتر ، [ مقتنيا للجيّد منها ] ، مغاليا فيها ، نفّاعا من خصّه بشيء منها [ 2 ] ، لا يستخرج منه شيء للؤمه إلّا في سبيلها ، أثرى كثير من الوارقين والتجار معه فيها ، حتى جمع منها ما لم يكن عند ملك . حكى ورّاقه أنه حصلها قبل مقتله بسنة ، فبلغت المجلدات في التحصيل أربعمائة ألف ، وأما الدفاتر المحزومة فلم يقف على عددها لكثرتها . وكان مع ذلك أغنى ملوك الأندلس ، ولا يعلم ابن ورث لأبيه ما ورثه أحمد هذا [ 3 ] . زعم بعض من عرف أمره أن ماله العين بلغ خمسمائة ألف مثقال جعفريّة ، سوى الفضة والآنية والحلية . وأما الأمتعة في المخازن والكسوة والطيب والفرش فبحسب ذلك . ثم حاط هو تلك النّعمة بالبخل الشديد القبيح ، وحماها بالإمساك الصريح ، وأثلها بالاكتساب والترقيح ، حتى أضعفت أضعافا ؛ ولم يوفّقه اللّه فيها لبرّ مزلف إليه ، ولا لصنيعة مشكورة منه ، بل كرّه الخلق فيه [ 4 ] بالكبر والعجب ، والصّلف والتّيه ، فطمست بذلك محاسنه ، ووضحت مقابحه . وحسبك [ 5 ] من جهله وعجبه أن عامل أهل قرطبة الذين فيهم منتماه ، وهم بقية الناس ، أيام دخلها مع زهير صاحبه ، بأسوإ ما عنده ، فحجب [ 5 ] كبيرهم الشيخ أبا عمر ابن أبي عبدة من غير عذر ، وما عرف عبّاس / أبوه إلّا بخدمة ابن عمّه . وتنقّص أديبهم أبا عامر بن شهيد ولم يك [ يحسن ] مستمليا له . ثم أجمل وصف جماعتهم ، [ وقد سئل عنهم ] ، فقال : ما رأيت بقرطبة [ 6 ] إلّا سائلا أو جاهلا . وهو مع تنقّصه الخليقة أظهرها نقصا ، لم ينافس في مكرمة ولا رغب في إسداء منّة ، ولا لذّ بنعمة شاكر ، ولا هشّ لثناء حامد ، ولا استخرج درهم من عنده إلّا في سبيل الشّهوات ؛ فأسمن جسمه ، وهزل عرضه ، وأشبع بطنه ، وأجاع ضيفه ، يمسكه على الهون ، ويعلّله بالأمل :
لكي يقال عظيم القدر مقصود [ 7 ]
هامش
[ 1 ] ب م : مسهما بالأدب . [ 2 ] ط : خصه بها . [ 3 ] ب م : ولا يعلم أب ورث ابنا مثلها . [ 4 ] ب م ط : له . [ 5 ] ط : ومن عجبه أنه دخل قرطبة ومنها منتماه وهم بقية الناس فحجب . [ 6 ] ب م : بقرطبتكم . [ 7 ] صدره : جوعان يأكل من زادي ويمسكني .