مقتل أحمد بن عباس
قال ابن حيّان : وكان باديس قد أرجأ قتله مع جماعة من الأسرى ، وكان الرئيس أبو الحزم بن جهور قد وجّه رسولا إلى باديس شافعا في جماعتهم ، مؤكّدا في شأن أحمد بن عبّاس ، وكان [ 1 ] أبعدهم من الخلاص . واعتذر في حبسهم ليمين مغلظة ، وشدّ صفاد أحمد ، ورغب عن الرغائب المبذولة فيه ، فاشتدّ البلاء بأحمد لفرط فزعه وثقل حديده ، وامتناعه عن استيفاء الغذاء المقيم لجسمه ، وتألّمه من عقر القيد لظنبوبه . وظل يستعطف باديس ويشهّيه بكثرة ما بذل له من الأموال في فكاك نفسه ، وباديس يترجح في ذلك وقتا ، وتأبى له قوة غضبه عليه إلّا شفاء نفسه بقتله ، فآثر الشفاء / منه على عظيم ما كان يعطي في فديته ، وتولى قتله بنفسه [ مع ] أخيه بلقين إغراقا في العداوة وتحققا في الأنفة .
فانصرف يوما من بعض ركباته مع أخيه بلقّين ، فلما توسّط الدار التي فيها أحمد بن عبّاس وقف فيها هو وأخوه بلقّين وصاحبه الخاصّة علي بن القروي لا رابع لهم ، وأمر بإخراج أحمد إليه ، فأقبل يرسف في قيوده حتى أقيم بين يديه ، فأقبل على سبّه وتبكيته بذنوبه ، وأحمد يلطّفه ويسأله إراحته ممّا هو فيه ، فقال له : اليوم تستريح من هذا الألم وتنتقل إلى ما هو أشدّ ! وجعل يراطن أخاه بلقّين بكلامه ، فبان لأحمد وجه الموت منه ، وجعل يكثر الضراعة لباديس ويضعف له عدد المال ، فأثار غضبه وهزّ مزرقه ، فأخرجها من صدره ، فاستغاث اللّه عند ذلك - زعموا - وذكر أولاده [ 2 ] ، فاعتوره أخوه بلقّين بزرقات كثيرة كبّته لوجهه ، وشركهما ابن القروي فمزّقوه . وأمر باديس بحزّ رأسه ، ووري خارج القصر .
وزعموا أن القيد الذي بساقه عسر إخراج بعد موته على خازن باديس فرضّ قدميه حتى ، انتزعه وهما القدمان الدّرمان والكعاب التي لم يخشن لها موطئ في سالف الزمان .
فمضى ابن عبّاس [ بسبيله ] ، رحمه اللّه ، على هذه السبيل ، ولم تبك أرض عليه ، ولا قطع ذنب عنز فيه .
وكان أحمد بن عباس كاتبا حسن الكتابة ، مليح الخطّ ، جيّد الخطابة [ 3 ] ، غزير الأدب ، قويّ المعرفة ، شارعا في الفقه ، مشاركا في العلوم ، مقتبسا للشعر من غير طبع فيه ، حاضر الجواب ، ذكيّ الخاطر ، جامعا للأدوات / الملوكيّة ، جميل الوجه ، حسن
هامش
[ 1 ] موضع العبارة في ط : فكان أبعدهم خلاصا ، وآثر الشفاء من قتله على عظيم ما كان يعطي في فديته .
[ 2 ] ب م : وذكر بأولاده .
[ 3 ] ب م : الخطاب .