على يدي أحمد بن عباس وزيره المدبر لسلطانه ، إذ كان في باطنه فاسد الضمير عليه ، حريصا على إيراطه والحصول على المرية مكانه ، إذ كانت دار والده عباس وحوزته ، وأهلها صنائعه وخوله ، وجندها تربيته ، فهو يرى أن مهلكه تراثه ، ويحرص على زواله .
وحدّثت [ 1 ] أن باديس لما تقدّم تلك الليلة بحبس الأوعار أشعر بذلك زهير ، وقال به بعض أصحابه : أطعني وقلّدني عارها ، وهوّن على نفسك هذا الخرق ، وخلّ عنها ، وتقدّم إلى قوادك الليلة في الارتحال معك سرا ، واتّخذ الليل جملا ، فلعلّك تجاوز هذه الأوعار فتخرج من الورطة ، فإنّ القوم متى تبعوك فيها دخلوا من التّغرير فيما خرجت عنه ، وتهيأ لك العطف عليهم بمجال فسيح يمكنك القتال فيه والتعلّق ببعض حصونك .
وأكثر من ذلك حتى ردّ عليه أحمد بن عباس قوله وقال : هذا وسواس أدخلك فيه الذّعر .
فقال له : ألمثلي تقول هذا يا أبا جعفر وأنا فارس [ ابن فارس ] ، نيّفت على عشرين وقعة وأنت ما قرعتك قطّ وعوعة ! ؟ ستعلم عاقبة أمرك . فأجلت الوقعة عن أسره [ 2 ] ، وكان مناه الخلاص إلى المريّة لينفرد بالإمارة .
وكان من جهله المأثور أن قال يومئذ للذين يحملونه إلى باديس : اللّه اللّه في حمولتي [ 3 ] ! قولوا لأبي مناد باديس يحتاط عليها لا تنخرم ، فإنّ فيها [ 4 ] قطعة دفاتر لا كفاء لها ! فضحك البرابر من جهله .
/ ولما سقط إلى المريّة خبر زهير ملكوا بلدهم [ 5 ] ، وكاتبوا عبد العزيز بن أبي عامر ، فلحق بالمريّة ودخلها عفوا إثر الوقعة ، وذلك منسلخ ذي القعدة سنة سبع وعشرين [ 6 ] وأربعمائة ، وظفر [ 7 ] من تركة مولاه زهير وأصحابه الصّقلب المصابين معه في هذه الوقعة على أموال عظيمة وأمتعة رفيعة تفوت الإحصاء والقيمة ، أمسى فيها عبد العزيز كخرقاء وجدت صوفا ، فرط تبذير ، إلى مال كثير من العين أصابه ببيت مال زهير من الورق والذّهب ، ووضع عبد العزيز كلّ ذلك غير موضعه ، فتضاعفت البليّة .
هامش
[ 1 ] ب م : وبلغني .
[ 2 ] ب م : على أسر ابن عباس .
[ 3 ] ب م : حمولي .
[ 4 ] ب م : فيه .
[ 5 ] ب م : بلدتهم .
[ 6 ] ب م : تسع وعشرين .
[ 7 ] ب م : وظهر .