الأسرى كابن حزم وابن الباجيّ صاحب الرسائل وغيرهم فأطلقهم [ 1 ] .
قال ابن حيّان : أخبرني القرشيّ المعروف بالقطّ عن شيخ من شيوخ صنهاجة يسمى بلقّين [ 2 ] قال : سرت واللّه ليلة الوقعة إلى الرّقيع ابن عبّاس مستنزلا له عمّا كان صاحبه الجاهل زهير تمادى فيه من قطيعة باديس صاحبنا [ 3 ] ، وعذلته وألطفت وقلت له : اتّق اللّه فإنما هذا منك ، وصاحبك منقاد إليك ، وقد تعرّفنا البركة في تألّفنا ، وقد رببنا به مثل هذه النعمة التي كثر عليها حسّادنا ، فاستدم بنا ما نحن فيه من الاتفاق ، ولا تعنق إلى الفتنة ، فيزول أكثر ما تراه . ما الذي غرّكم من موالاة ابن عبد اللّه / حتّى تقاطعونا [ 4 ] في رضاه ؟
فأجيبوا هذا الفتى أميرنا فيما دعاكم إليه [ 5 ] من الألفة . فجعل يستجهلني ، ويجيب جواب المتبوع للتّابع ، وأنا أرفق به بعد أن قبّلت وجهه ، واستعبرت رقّة لاستلانته ، فلم يزدد بذلك إلا قسوة ، وقال : دع القعاقع فليست تهولنا ، وكلامي لك الليلة مثل كلامي لك أمس ، واللّه لا نزلتم إلّا على رضانا ، وإلّا أعقبكم على ذلك ندامة ؛ فاحفظني كلامه وقلت : يا هذا ( أبهذا ) أرجع إلى الجماعة ؟ قال : نعم وأشد منه . فانصرفت إلى أميرنا باديس ومن معه من المشيخة ، وإن دموعي لتتحدر على وجهي غضبا ، فلما رأوا ما بي ابتدروا سؤالي ، فخبرتهم وقلت : يا صنهاجة ، هذه إحدى الكبر ، قوموا لدفاعها بقوة وإلّا فليست داركم ! فالتظت الجماعة ، وسعّر بلقين بن حبوس نار أخيه باديس ، فحمي الوطيس ، وكان أحرص منه على الحرب ، فهيأنا لها ، وصبّحنا القوم على تعبئة محكمة ، فما زالت الشمس إلّا وهم جزر مذبّحة ، ومغويهم ابن عباس بدنة مشعرة .
وكان سبب نجاة القائد ابن شبيب من يدي باديس ، وقد أسر ذلك اليوم ، أن نظر إلى ابن عباس وهو يقاد إلى باديس أسيرا ، فلم يمنعه هول مقامه أن صاح : حاجب ! أسألك بالذي نصرك ألا يفلتك هذا المأبون الزاري بالخليفة ! فو اللّه ما جنى كلّ هذا غيره ، فليتني عاينت حتفه ولا أبالي القتل بعده . فتبسم باديس لقومه وعرف صدقه ، وأمر بإطلاقه .
وحكى أحمد القيسي متقبل السكة بالمرية أن مهلك زهير وأصحابه كان / بقدر اللّه
هامش
[ 1 ] ط : وأطلق ابن حزم والباجي وغيرها .
[ 2 ] ط : عن بلقين الصنهاجي .
[ 3 ] ب م : مستنزلا عما أزمع عليه صاحبه . . من قطيعتنا .
[ 4 ] ب م : تسخطونا .
[ 5 ] ب م : إلى ما دعاكم إليه .