ثقة ، ولا انحاز إلى فئة ؛ ولجّ به الفرار ، وانهزم أصحابه / خلفه لا يلوون على شيء ، وركبت صنهاجة ولفّها [ ومن تبعها ] من أمداد زنانة أكتاف القوم ، باذلين السيف فيهم بصدق العصبيّة وإيثار الفناء ، فلم يبقوا على أحد قدروا عليه ، ولا فرقوا بين أندلسي ولا جندي ولا سوقي ، فأساءوا الاعتداء ، وأبادوا أمّة ، حتى إمام فريضة زهير ولد الفقيه ابن نابل . فاستدل بقتلهم على من سواهم ؛ وعلم المنهزمون أنه أخذ عليهم المضيق المعترض في طريقهم ، فنكّبوا وأخذوا في شعاب وعرة وجبال شامخة ، ألجأهم إليها السيف ، فكانت حتف من فرّ ، وتقطعوا وتمزقت أوصالهم ، وفي هذه السبيل أودى أميرهم زهير وصار ذلك سبب مجهل مصرعه واعتصم الرجالة بتلك الأوعار الأشبة .
وأما السودان من رجالة زهير فإنهم غدروه [ 1 ] أوّل وهلة وعمدوا [ 2 ] إلى خزانة سلاحه فنهبوها ، ونادوا بشعار صنهاجة ، وانقلبوا معهم ، ووضعوا السلاح فيهم ، وليست بالبدع من أفعالهم ، وكانوا قطعة خشنة يتقاربون الخمسمائة ، وكان زهير يعدّهم للنائبة ، فكانوا أوّل من أعان عليه . ولؤم مقام الأندلسيين بهذا المأزق وانهزموا ، فاصطلم عسكرهم . فنصر باديس [ 2 ] ، وغنم رجال باديس من المال والخزائن والأسلحة والحلية والعدد [ 3 ] والغلمان والخيام ما لا يحاط به وصفا ولا قيمة .
وظهر باديس في الموقعة على قوم [ 4 ] من وجوه رجال زهير ، فعجل على / الفرسان والقواد بالقتل ، فكان ذلك من أكبر ما صنعه لخلاف الوجه في قتال أهل القبلة . واشتمل الأسار على حملة الأقلام جميعا ، وفيهم وزيره التياه المستكبر المعجب أبو جعفر أحمد بن عبّاس ، الجارّ لهذه الحادثة : قيد إلى باديس ، وصدره وصدور أصحابه تغلي [ 5 ] عليه بما أوقد من هذه النائرة ، فأمر بحبسه ليستخرج منه مالا ، وشفاؤه الولوغ في دمه ، وعجل عليه إلى مديدة ، وحلت به الفاقرة بعد دون أصحابه من حملة الأقلام ، فإن باديس عف [ 6 ] عن دمائهم من بين أصحاب السيوف إلّا من أصيب منهم في الحرب [ 7 ] ، وأما
هامش
[ 1 ] ط : وجهل مصرعه ؛ وسودان زهير غدروه .
[ 2 ] في ط : وانقلبوا مع صنهاجة ، وليست بالبدع من أفعالهم ، وكانوا قطعة خشنة يقاربون خمسمائة .
[ 3 ] ب م : والعدة .
[ 4 ] ب م : بقوم .
[ 5 ] ب م : تلطى .
[ 6 ] ط : عف باديس عن . . .
[ 7 ] ب م : المعركة .