وعلى رجاله في القرى والتعظيم ، ما مكّن اغترارهم ، وثبّت طمأنينتهم .
ووقعت المناظرة بين باديس وزهير ومن [ 1 ] حضرهما من رجال دولتيهما من أوّل يوم التقائهم ، ففشا بينهما عارض الخلاف لأوّل وهلة ، وحمل زهير أمره كله على التشطط ، وخلط التغرير بالدالة ، والجفاء بالملاطفة ، وزعم في بعض ما يقوله أن الذي جاء به زيارة قبر حليفه وخليله حبّوس ، وهو قد بخل بالتعزية على ولده إثر موته .
واتصلت بينهما المناظرة ، والإمرار يزداد ، وزهير يأبى ذلك ويتهاون كأنه قد اقتدر على خصمه ، ووزيره أحمد بن عباس المعجب التيّاه يفري الفريّ في تصريح ما يعرّض به زهير ، إيعادا للقوم ، وإغلاظا عليهم [ 1 ] .
/ فعزم باديس عند ذلك على القتال ، ووافقه قومه صنهاجة ، فأقام مراتبه ، ونصب كتائبه [ 2 ] ، وأرسل إلى طريق زهير فقطع قنطرة لا محيد لزهير عنها ، والحائن زهير لا يشعر ، وبات تتمخّض له ليلته عن راغية البكر ؛ وغاداه باديس صبيحتها على تعبئة محكمة ، فلم يرعه إلّا رجّة القوم راجعين [ 3 ] إليه ، تخفق طبولهم وهدير رقّاصته الأساود ، فدهش زهير وأصحابه ، فيا لك من أمر شتيت ، وهول مفاجئ ، قسّم بال المرء بين نفسه وماله ، ووزّع همّه بين روحه ورحله ! إلّا أن أميرهم زهيرا أحسن ابتداء الثبات لو استتمّه ، وقام ينصب الحرب [ 4 ] ، فثبت في قلب عسكره ، وقدّم خليفته هذيلا الصقلبيّ في وجوه أصحابه من الموالي العامريّين الفحول وعشيرته الصّقلب وغيرهم لاستقبال صنهاجة .
فلمّا رأوهم علموا أنهم حمته وشوكته ، وأنّهم متى خضدوها [ 5 ] لم يثبت لهم من وراءهم ، فاختلط الفريقان ، واشتدّ بينهم القتال مليّا ، فلم يكن إلّا كلا ، حتى حكم اللّه بالظّهور لأقلّ الطائفتين عددا ليري اللّه قدرته ، ويجدّد في قلوب عباده عبرته ، فنكص في الصّدمة قائدهم هذيل ، والرحى عليه دائرة ، إما بطعنة أردته عن متن فرسه ، أو بكبوة كانت منه ، وابذعرّ أصحابه عباديد وانهزموا ، وقيد هذيل لوقته إلى باديس أسيرا ، فأعجل بضرب رقبته . فما كان إلّا أن نظر زهير إلى مصرعه ، فانثنى عنه وفرّ على وجهه ، فلم يستصحب
هامش
[ 1 ] يقابل هذه العبارة في ط : « ومن حضرهما من رجال دولتيهما ، فنشأ بينهما عارض الخلاف لأول وهلة ، وحمل زهير أمره كله على التشطط ، ووزيره أحمد بن عباس يفري الفري في التصريح بما يعرض به زهير » .
[ 2 ] ب م : كمائنه .
[ 3 ] ب م : راجفين .
[ 4 ] زاد في ب م : بما أسرع القعود عنه .
[ 5 ] ب م : حصدوها .