لمعرفتنا بمكانكم من التّحصيل ، إذ أنتم أهل النّظر والتأويل . ولمّا استوثق الأمر على منهاجه [ 1 ] ، واستتمّ الرّأي على أدراجه ، هززناكم هزّة التّذكير ، ورمينا إليكم بنبذ يسير [ 2 ] .
وله من أخرى إلى أبي المغيرة ابن حزم : قرأت الرقعة الكريمة التي ناولتنيها اليد العزيزة ، فكأنّ البدر مدّ إليّ كفّا [ 3 ] تختّمت بالنجوم الزاهرة ، أو الدهر أعطاني بها أمانا من خطوبه الجائرة ؛ وعاينت وشيا منمنما ، وأبصرت ريطا مسهّما ، وطفقت ألتمس المجاراة ، وأروم المباراة ، فإذا شأوي حسير [ 4 ] ، وباعي قصير ، وفمي ملجم ، ولساني مفحم ، لأني تعاطيت أسد العرين وهو مشبل خادر ، وموج البحر وهو مزبد زاخر :
وفي تعب من يحسد الشمس نورها * ويطمع أن يأتي لها بضريب [ 5 ]
للّه أنت من نثرة آداب ، وسليل أحساب ، وسمام [ 6 ] حاسد ، وسراج محامد ، إن ناضل عن الحريم حماه ، وإن رمى الغرض أصماه ؛ يفتح مغاليق [ 7 ] الأمور بسياسته ، ويستنزل الشارد الممتنع بلطافته .
/ وفي فصل منها : ولو جاز أن يقرن مع البدن العجف ، وينظم مع الجوهر الصّدف ، لشفعتها [ 8 ] إليك ، لكنها ممنوعة ما سألت ، وغير مدركة ما طلبت ، فالسادة لا تمتزج مع العبيد ، والشّهد لا يضاف إلى الهبيد . ورأيت ما نحلته الرسالة المعربة عن فنون البراعة ، وأعرتها من بدائع الصناعة ، التي لو رام نبذا منها بديع الزّمان ، أو عمرو أبو عثمان ، لتردّدا يخبطان عشواء ، وأصبحا في خجلة يطلبان النّجاء . فدونكها عذبة اللّثام ، كريمة الأخوال والأعمام ، بذل المهج أقلّ أثمانها ، والعنبر الورد يسيل من أردانها . فإن كنت حضضتني على أن أصونها في تامور الخاطر ، وأكتبها على جبهة الأسد الخادر ، فأعزّ من هذا أن أنوطها بذوائب العيوق ، وأودعها الجوانح على التحقيق ؛ فهي لمن تأمل درّ نثير ، ولمن تنزّه روضة وغدير ؛ لنسيم الأدب فيها هبوب ، ولكلّ قلب
هامش
[ 1 ] ب م : مناهجه .
[ 2 ] ط : هززناكم بهذه التذكرة . . . يسيرة .
[ 3 ] ب م : يدا .
[ 4 ] ب م : حصير .
[ 5 ] البيت للمتنبي ، ديوانه : 337 .
[ 6 ] ط : وسحام ( اقرأ : وشجى ) .
[ 7 ] ب م : مغالق .
[ 8 ] ب م : لشفعت لها .