تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
والبخل : حتّى لو أن الجاحظ رآه ما ضرب في البخل مثلا ، ولا ذكر في رسالته رجلا . له في ذلك أخبار تخرق سجف العادة ، وتضيق عن قبول الزيادة . حدّثت عن الوزير أبي محمد بن الجدّ ، وكان امرأ صدق ، أنّه سافر [ 1 ] أيّام شبيبته في معسكر زهير فتى ابن أبي عامر قبل / أن يظهر أمره ، ويشتهر بصحبة السلطان ذكره ؛ فرحلوا في بعض الأيّام وقد خلص إلى الأحشاء برد الأجسام ، وسوّى برس [ 2 ] السماء بين الغيطان والآكام ، حتى كأنّ الأرض صفيحة [ 3 ] حسام ، أو صبير غمام ؛ وغبّ مطر قد غادر الكثبان وعوثا ، وصيّر المسالك تلاعا ميثا [ 4 ] ؛ فكبت به فرسه وقد تأخّر عن صحبه ، وساخت رجله في بعض ذلك الخبار [ 5 ] فصرع لحينه . وكانت عنده فروة فنك قد أعدّها لأيام الوفد ، فاستظهر بها يومئذ على شدّة ما كان فيه من الجهد ، ومخافة من عادية ذلك البرد ، فأصابه من الطّين ما كاد يشكّكه في عيانه ، وأقام عامّة يومه على إصلاح ما فسد من شأن فروته وشانه . فورد العسكر وقد زاحم اللّيل ، وبثّ الوزير المذكور في طلبه الخيل ، فساعة رآه قال له : ما غالك ، وأيّ شيء حبسك لا أبا لك ؟ فطفق يقصّ عليه أمره وهو يضحك ، وكان آخر ما راجعه به أن قال : أو ما عندك غير ذلك الفنك ؟ ثمّ انتفخ في إهابه ، واستدعى قهرمان ثيابه ، وقال له : كم أودعت عيابي ، وأدرجت أثناء [ 6 ] ثيابي في سفرنا هذا من الأفناك ؟ فجاء منها بعدد ، ما ظنّ أنّها تجتمع لأحد ، ولا يحيط بها ملك يد . قال أبو محمد : ولم أشك في تحصيل فروته ، وجرّ ذيول كسوته [ 7 ] ، فو اللّه ما زاد على أن عدّها ، وأمر القهرمان فردّها ؛ ثم قال : يا أبا محمد ، هذه ثياب سفري ومهنتي ، فكيف / لو رأيت ثياب المدينة ، وملابس الزّينة ؟ ! . والكتابة : وهي أقلّ أربعته ، وعلى كلّ حال فله بها يد ، ونفس ممتدّ ، وفيها يوم وغد ، وعدّة وعدد . وقد ذكر ابن حيّان من أين غرب وطلع ، وكيف طار حتّى وقع ، وأنا مثبت من ذلك
هامش
[ 1 ] ب م : سافرت ؛ وكذلك سائر الخبر بضمير المتكلم . [ 2 ] البرس : القطن ، ويعني به هنا الثلج . [ 3 ] ب م : صفحة . [ 4 ] الميث : جمع ميثاء ، وهي الأرض السهلة أو الرابية الطيبة . [ 5 ] الخبار : ما تهور من الأرض وساخت فيه القوائم . [ 6 ] ب م : في أثناء . [ 7 ] ب م : فروة . . . كسوة .