ويصيب البريء والنّطف من مضرتها ، وما يعمّ من بأسائها ، ويطمّ من دهيائها ، باخترام الرّجال ، وإيتام الأطفال ، وإرمال النّساء ، وإحلال الدّماء ، وانتهاب الأموال ، واعتساف الأهوال ، وإخلاء الأوطان ، وجلاء السّكان ، وانقطاع السّبل ، واتّساع الخلل . هذا إذا كانت الدّعوة واحدة ، والشّرعة معاضدة ، فأمّا إذا انساق العدوّ إلينا ، وتطرّق علينا ، وضري على أموال المسلمين ودمائهم ، وجرأ على قتل رجالهم وسبي نسائهم ، وبانت له العورات ، وتحقّقت عندهم الاختلافات ، وأحدّوا رحاهم ، واستمدّوا من وراهم ، لم يكن للمسلمين بهم بعد يد ، ولا عن إخلاء هذه الجزيرة بدّ ، واللّه يحميها من الغير ، ويكفيها سوء القدر .
وإنّ أحقّ من لم شعث المسلمين ، وضمّ منتكث الدّين ، من أيّد اللّه أوّلهم بأوّلية ، ورقع خللهم بمساعيهم ومساعيه ؛ وكانت وقائعه في المشركين مشهورة ، وصنائعه بالكافرين مذكورة ، ومن لا تؤرّخ الأيام إلّا بغزواته ولا تحلّى الأيّام إلّا بفعلاته . وأنت قاضب من تلك القواضب ، وثاقب من تلك الكواكب ، وغرّة من تلك الأوضاح ، وشعلة من ذلك المصباح ، ومعلّى من تلك القداح ، وعامل من تلك الرّماح ، فحقيق عليك أن تجري إلى غاياتهم ، وتعلي راياتهم ، وتحمي ذكرهم ، وتحيي مجدهم . وقد علمت ألا عدّة أعدّ ، ولا نجدة أنجد ، من توازر القلوب ، وتناصر العيون ، وتضامن الأيادي ، وتظاهر المساعي ؛ فحينئذ يخشن الجانب ، ويهن المجانب ، ويصحب الأبيّ ، ويطيع العصيّ . ومن خلا من صالح الأعوان ، وضيع الاستظهار بأحبّاء الإخوان ، كان أجذم الرّماح ، كهام السّلاح ، مقصوص الجناح ، خائب القداح ، مفلول الحدّ ، مصلد الزّند ؛ والمرء كثير بأخيه ، والجناح بقوادمه وخوافيه ، والانفراد في الوطن غربة ، / والانقياد للآخر كربة ؛ مع أنّ الغلبة بالتغرير والإخطار ، ليست من شيم أولي البصائر والأبصار .
ومن الذي دعاك يا سيّدي إلى فتنة تخوض غمارها ، وتحمل أوزارها ، ولا تغتبط بعقباها غالبا ولا مغلوبا ، ولا تنتشط من بؤساها حاربا ولا محروبا ؟ ! فإن كان وفاء لمن عاهدت ، وغناء عمّن عاقدت ، فأدنى المساعي إلى النّجح ، وأولى المطالب بالكدح ، وأبعد المذاهب من العيب والقدح ، ما بدئ بالمتاركة [ 1 ] وختم بالصلح ؛ فاللّه تعالى يقول : « والصّلح خير » و « الفتنة أشدّ من القتل » .
والاتّفاق يا سيّدي أضمّ للشمل ، وأوصل للحبل ، وأحمد فاتحة وخاتمة ، وأرضى
هامش
[ 1 ] ب م : بالمشاركة .