وصيلة إلّا همّك ، فما أزور الرّياض إلّا تشوقا إلى شيمك ، ولا ألحظ السّحاب إلّا تخيلا لكرمك .
وفيما يحكيه فلان [ مردّد ] شكرك ، ومطيّب ذكرك ، من مآثرك الزاهرة ، ومفاخرك الباهرة ، شائق يحوّم طير القلوب عليك ، وسائق يحدو بالنّفوس إليك ؛ وأنت أرق نفسا وطبعا ، وأكرم أصلا وفرعا ، من أن يجمع عليّ بعدك وبعد كتابك ، وفقدك وفقد خطابك .
وكتب إلى صديق وقد بعث تفّاحا : لو لم تكن نفسي لك ، لأهديتها إليك ، ولولا أنّه حقّك أثبته لديك ، لجلوت وجه مودّتي عليك ، متوّجا بطيب الذّكر يرفل في حلل الشّكر ؛ وما عسى أن يهدي الغريق في بحار برّك ، والمنقطع في مضمار شكرك ! لكن لك الإبداء بالفضل والإعادة ، ولي الاقتداء والجري على العادة ، في إهداء الحقير إلى الخطير ، ومقابلة الجليل بالقليل ؛ فما قصرت مقدرته ، من أطالت مكارمك معذرته .
ولكلفي بشمائلك الشّمولة ، وشغفي بخلائقك المعسولة ، بعثت بما يحكيها ولا يدانيها ، ويخبر بريّاه وطعمه عن بعض ما فيها ، تفّاح قطعت حمرته وصفرته من خجلات الخدود / ونزعت صورته شبه فوالك النّهود ، وختم على ألذّ من سلوى النّحل ، وأعذب من جني النّخل ؛ ناسب الرّياض وأفنى عمره عمرها ، فورّثته زهرها ، تذكرك أسافله سرر البطون الغلب ، وطعمه لذاذة الثّغور الشّنب .
فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي جعفر أحمد بن عباس [ 1 ]
وسياقة جمله من نثره ، مع ما يتعلق من الأخبار السّلطانية بذكره :
كان أبو جعفر هذا قد بذّ أهل زمانه [ 2 ] في أربعة أشياء :
المال أوّلا : لم تجتمع - زعموا - عند أحد من نظرائه ما اجتمع عنده من عين وورق ، ودفاتر وخرق ، وآنية ومتاع ، وأثاث وكراع .
والعجب : فلم يكن الفضل بن يحيى ، ولا معلمه عمارة بن حمزة ، ولا عبيد اللّه ابن ظبيان ، ولا مطعم بن جبير ، في ذلك إلّا بعض قوى سببه ، وحثالة واطئ عقبه [ 3 ] .
هامش
[ 1 ] أبو جعفر أحمد بن عباس : ترجم له في المغرب 2 : 205 ( واعتمد على الذخيرة ) ، والنفح 3 : 535 ، والإحاطة 1 : 129 ( 1 : 267 تحقيق عنان ) وراجع ترجمة ابن شهيد فيما سبق من هذا القسم .
[ 2 ] ب م : قد بذ الناس وقته .
[ 3 ] تأتي هذه الفقرة في ب م بعد الحديث عن بخله .